رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأحد 8 فبراير 2026 7:01 م توقيت القاهرة

أكتوبر… حين تُزهر الذاكرة بدماء الأبطال

بقلم د/ سماح عزازي 

ما كان لشهر أكتوبر أن يمرّ في صمتٍ دون أن أكتب عنه، أو أستعيد شيئًا من عبق أيامه الخالدة التي سُقيت بدماء الطهر والفداء. أكتوبر بالنسبة لي ليس مجرد فصل من فصول العام، بل هو فصل من عمري أنا، يحمل في طيّاته رائحة البطولة وصدى التكبير، وذكرى رجلٍ علّمني معنى الشجاعة، ومعنى أن يُحب الإنسان وطنه حتى آخر نبضة في قلبه.
ففي أكتوبر تهفو الروح إلى زمنٍ كان فيه الرجال رجالًا، وكان أبي – عليه رحمة الله – واحدًا من أولئك الذين خطّوا بأقدامهم على رمال سيناء سطور النصر المجيد. يأتي هذا الشهر محمّلًا بعبير المجد وبذكرى ميلاده أيضًا، كأن القدر أراد أن يُخلّد اسمه في شهرٍ كُتب على صفحاته الخلود.
لذا، لا أستطيع أن أدع أكتوبر يمضي دون أن أكتب… عن الحرب التي أعادت الكرامة، وعن أبي الذي كان أحد صُنّاعها، وعن مصر التي تنبض في وريدي منذ أن وُلدت.

في السادس من أكتوبر عام 1973، توقفت عقارب الزمن لتسجّل لحظةً استثنائية في تاريخ الإنسانية، لحظةً أعادت للمصريين الثقة بأنفسهم، وأثبتت أن هذا الوطن لا يُقهر مهما طال ليله. كانت لحظة العبور أشبه بمعجزةٍ من نورٍ وسط العتمة، حين قرّر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه أن يكتبوا بدمائهم عنوانًا جديدًا لمصر: الكرامة والحرية والنصر.

كنتُ أسمع من أبي – وهو يحكي عن تلك الأيام – كيف كان صوت الأذان يتعالى بين صفوف الجنود في قلب المعركة، وكيف كانت القلوب تسبّح قبل أن تُطلق الرصاص. لم يكن القتال فقط على الجبهة، بل كان في كل بيتٍ مصري ينتظر خبرًا أو دعاءً. كانت مصر كلها في تلك اللحظة جنديًا واحدًا، لا ينام إلا على أمل النصر، ولا يستيقظ إلا على نبض الوطن.

لقد كانت حرب أكتوبر ملحمةً صنعها الإيمان قبل السلاح، والعقيدة قبل العتاد.
كان أبي يحدثني بفخر عن رفاقه الذين لم يعودوا، وعن الذين عبروا القناة وهم يعلمون أن الطريق مفروشٌ بالموت، ومع ذلك ساروا إليه مطمئنين، لأنهم كانوا يرون في الموت حياةً لأرضهم.
كان يقول لي دائمًا: "لم نكن نخاف الموت، كنا نخاف فقط أن نحيا دون كرامة."
ومن تلك العبارة أدركت أن النصر لا يولد في ميدان المعركة، بل في القلب أولًا، حين يؤمن الإنسان بقضيته إيمانًا لا يتزعزع.

أكتوبر لم يكن مجرد حرب، بل كان لحظة ميلاد جديدة لوطنٍ بأكمله.
وكلما أطلّ هذا الشهر، أستشعر في هوائه أنفاس أبي، وأرى في سمائه وجهه المضيء، كأن الأرض والسماء تتواطآن لتذكّراني به وبجيله العظيم. جيلٌ لم يطلب شهرةً ولا مجدًا، بل قدّم روحه ببساطة المؤمن الذي يرى في تراب وطنه قبلةً لا تُدنّس.

إن الحديث عن أكتوبر هو حديث عن مصر ذاتها، عن أمةٍ تعرف كيف تنهض من تحت الركام، وكيف تحوّل الهزيمة إلى أسطورة انتصار.
وما أشبه اليوم بالأمس… فما زال الوطن بحاجة إلى روح أكتوبر، إلى تلك العزيمة التي لا تلين، وإلى إيمان أولئك الرجال الذين صنعوا المجد بصمتٍ ونقاء.

أكتب عن أكتوبر، فأشعر أني أكتب عن أبي، وعن كل أبٍ رحل وبقيت روحه تحرس الوطن من فوق سماء المجد.
سلامٌ على من عبروا القناة، وعلى من عبروا إلى الخلود.
سلامٌ على جيلٍ كتب بدمه سطور الحرية، وسلامٌ على مصر التي لا تموت، ما دام في أبنائها من يحمل اسم أكتوبر في قلبه، وفي ذاكرته، وفي دمه.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.