
على المسلم وقد مضى النصف الأول من الشهر، وقدم فيه ما قدم، أن يحذر من آفة طالما أصابت السالكين، فجعلت إستفادة بعضهم من مواسم العبادة ليست بتلك، تلكم هي آفة الفتور بعد النشاط، والتراخى بعد الشدة، والتى من البلاء أنها لا تصيب صاحبها، إلا فى ختام الشهر وليالى العشر، وبدلا من الإزدياد والتزود بعد التعود، تخور القوى، وتفتر العزائم، ويظهر الكلال، ويدب إلى النفوس الملال، وما هكذا ينبغى أن يكون المؤمن، كيف وقد قال الله تعالى فى سورة آل عمران " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" فطريق الفلاح فيه من الطول ما فيه، ويعترى سالكه من التعب ما يعتريه، وقد حُفت الجنة بالمكاره، ومن بعُدت عليه الشقة، واستهوته الأعراض القريبة، تقاصرت همته دون اتباع الهادى، وتخلف عن ركب الناجين.
ومن ثم كان لا بد من الصبر والمصابرة والمرابطة، وإتقان العمل، والإحسان والمجاهدة، وبذل الجهد، وتقوى الله قدر الاستطاعة لعل الفلاح أن يكون خاتمة العبد، وثمرة عمله، ولعل ربه أن يرزقَه من معيته ما يتقوى به على طاعته، ويهتدى به إلى سبل مرضاته، فقال تعالى كما جاء فى سورة النحل "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" وقال تعالى فى سورة العنكبوت" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" والله هذه آية تسع كل الناس، وتسع كل المشكلات، وكل النشاطات " ومن يتق الله يجعل له مخرجا" لكن المسلمين الآن قلبوا الوجبات الدسمة من النهار إلى الليل، ما فعلوا شيئا جيدا، والحقيقة أنه يوجد هناك رمضان عند بعض المسلمين وقد يكون عند أكثرهم هو موسم لقاءات، وموسم سهرات، وموسم ولائم، وموسم سهر إلى ساعة متأخرة من الليل.
وموسم حديث بلا ضابط، وبلا هدف، فيرتكبون الغيبة والنميمة، ويطلقون أبصارهم، ويتابعون الأفلام إلى ساعة متأخرة من الليل، ويأكلون، وينامون، ويستيقظون بعد صلاة الفجر، فلقد ابتعد المسلمون أصبح رمضان شهر فلكلورى، لا علاقة له بالدين إطلاقا، فأصبح شهر تراث وعادات وتقاليد، فهذا الذى لا يرى رمضان شهر عبادة، وشهر غض بصر، وشهر ضبط لسان، وشهر تلاوة قرآن، وشهر إنفاق المال، وشهر إحكام الصلة مع الله، وشهر الحب، وشهر القرب، وشهر المغفرة، فإن هذا بعيد عن أن يكون صائما لأن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وصف بعض المنافقين فقال "مثلهم كالناقة عقلها أهلها فلا تدرى لا لِم عقلت ولا لِم أطلقت" فيصوم مع الناس، و يفطر معهم، وهو على ما هو عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري.
ورُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فإن هناك من يصوم فيدافع التدني، جيد، لكن هناك من يصوم فيتابع الترقي، فرق كبير بين من يدافع التدني، وبين من يتابع الترقى، وكان من إنتصارات شهر رمضان هى معركة عين جالوت، حيث انتصر المسلمين على التتار، بين المسلمين بقيادة سيف الدين قطز والمغول، وذلك فى عهد الدولة المملوكية قد استطاع سيف الدين قطز، والظاهر بيبرس، صد الغزو المغولى الذى اجتاح أجزاء واسعة من العالم الإسلامي في معركة عين جالوت قرب الناصرة، فكانت واحدة من أهم وأشهر المعارك الإسلامية، وفى شهر رمضان من عام ستمائة وثمانية وخمسين من الهجرة، خرج سيف الدين قطز من مصر على رأس الجيوش المصرية، ومن انضم إليه من الجنود الشاميين وغيرهم، وترك نائبا عنه فى مصر هو الأتابك فارس الدين أقطاى المستعرب.
وأمر الأمير بيبرس البندقدارى، أن يتقدم بطليعة من الجنود، ليكشف أخبار المغول، فسار حتى لقى طلائع لهم في غزة، فاشتبك معهم، وألحق بهم هزيمة كان لها أثر فى نفوس جنوده، وأزالت الهيبةَ من نفوسهم، ثم تقدم السلطان قطز بجيوشه إلى غزة، فأقام بها يوما واحدا، ثم رحل عن طريق الساحل إلى عكا، وكانت لا تزال تحت سيطرة الصليبيين، فعرضوا عليه مساعدتهم، لكنه رفض، واكتفى منهم بالوقوف على الحياد، وإلا قاتلهم قبل أن يقابل المغول، ثم وافى السلطان قطز، الأمير بيبرس، عند عين جالوت، بين بيسان، ونابلس، وكان الجيش المغولى يقوده كيتوبوقا، أو كتبغا بعد أن غادر هولاكو الشام إلى بلاده للاشتراك فى اختيار خاقان جديد للمغول، وجمع القائد الجديد قواته التى كانت قد تفرقت ببلاد الشام فى جيش موحد، وعسكر بهم في عين جالوت.
وما كاد يشرق صباح يوم الجمعة يوم الخامس والعشرين من رمضان عام ستمائة وثمانى وخمسين حتى اشتبك الفريقان، وانقضت قوات المغول كالموج الهائل، على طلائع الجيوش المصرية حتى تحقق نصر خاطف، وتمكنت بالفعل من تشتيت ميسرة الجيش، غير أن السلطان قطز، ثبت كالجبال، وصرخ بأعلى صوته واإسلاماه، فعمت صرخته أرجاء المكان، وتوافدت حوله قواته، وانقضوا على الجيش المغولى الذى فوجئ بهذا الثبات والصبر فى القتال، وهو الذى اعتاد على النصر الخاطف، فانهارت عزائمه، وارتد مذعورا لا يكاد يصدق ما يجرى فى ميدان القتال، وفروا هاربين إلى التلال المجاورة بعد أن رأوا قائدهم كيتوبوقا يسقط صريعا فى أرض المعركة، ولم يكتف المسلمون بهذا النصر، بل تتبعوا الفلول الهاربة من جيش المغول التى تجمعت في بيسان القريبة من عين جالوت.
واشتبكوا معها فى لقاء حاسم، واشتدت وطأة القتال، وتأرجح النصر، وعاد السلطان قطز يصيح صيحة عظيمة سمعها معظم جيشه وهو يقول واإسلاماه، وعاد السلطان قطز يصيح صيحة عظيمة سمعها معظم جيشه وهو يقول واإسلاماه، ثلاث مرات، ويتضرع إلى الله قائلا "يا الله انصر عبدك قطز" وما هي إلا ساعة حتى مالت كفة النصر إلى المسلمين، وانتهى الأمر بهزيمة مدوية للمغول لأول مرة منذ جنكيز خان، ثم نزل السلطان عن جواده، ومرّغ وجهه على أرض المعركة وقبّلها، وصلى ركعتين شكرا لله تعالي.
إضافة تعليق جديد