

بقلم / نوال احمد رمضان
فى عيادةِ طبيب شهير ، قد ازدحمت بالمرضى وذويهم وتداخلت أصواتُهم .. وفى الشُرفةِ البعيدةِ ، تجلسُ وعدٌ وحدها .. انيقة .. جميلة .. يكسو وجهَها حُزنٌ دفين و تترقرقُ الدموعُ في العيونِ الذابلةِ .. شفاهٌ زرقاءُ ووجهٌ شاحبُ … إعلان صارخ لما يُعانيه قلبُها الكسيرِ ، دلفت إلي الشُرفةِ سيدةٌ أخرى تُشبهها فى أوجاعهِا ... " هل يُضايقك جلوسى هنا ؟ " .. هزت وعدُ رأسها بالنفي .. جلست أملُ صامتةٌ شاردةٌ … تختلسُ النظرَ لساعتِها بين لحظةٍ وأخرى تستحثُها أن تُسرع خُطى عقاربها .. ليمر الوقتُ الرتيبُ .. سيطر عليها المللُ .. نظرت للباكية عينيها : " ادعي لى .. ان اصبح أُماً " .. ردت وعدُ بلا مُبالاة :" إن شاء الله ستكونين " إبتسمت أمل بمرارةٍ : " كُل الاطباءِ أكدوا لن أكون أماً ابداً .. لكنه الأمل .. أحاول مُجدداً مع طبيبٍ كبيرِ " .. وأردفت : " ربنا يقومك بالسلامة " .. انهمرت دموع وعد وهي تردد " سلامة ؟! .. أدعي لي ان يوافق الطبيبُ ان يُخلصني منه " .. صرخت أملُ : " لا .. لا " .. أخذت الدهشةُ الحضورَ وتوجهت الأنظارُ القلقةُ نحو الشُرفةِ .. أعتذرت أملُ واحتضنت يدَ وعدِ : " لماذا تُضحي بحلمِ الكثيراتِ .. أياكِ أن تفعلى هذا ".. ردت وعدٌ باكيةً : " إن لم أفعل سيُطلقني زوجي ولن يعترف به … لدي ثلاثة أبناء سأضحي به من أجلهم جميعاً " … ربتت أمل علي كتفِها وشدت على يدِها وبصوتٍ خفيض همست " هو لي .. سأكتبه باسمي وسيكون ابني .. مثلك سيطلقني زوجي .. اقبلِي أرجوكِ .. فى حياتِه نجاتنا جميعاً " .. هوت أمل بمطرقةِ حُلمها على رأسِ وعدِ فسبحت فى الملكوتِ وشعرت بجنينِها يتحرك حركةً عنيفةً وكأنه يرجوها أن تهبه الحياةَ وأن تزرع زهرةً فى قلبِ املِ .. احست بالراحةِ .. أبتسمت وهى تؤكد : " هو لكِ .. هو لكِ "... خرجتا معاً من العيادةِ تُجففان دمعاتٍ اختلط فيها الأسى بالسعادةِ .. وهرولت الشهورُ وكلتاهما تستعدان للحظةٍ فارقة فى حياتيهما .. املُ تجوبُ الشوارعَ وتتجولُ بالمحلاتِ .. تشترى ملابس كثيرة ولعب رائعة .. وتجهز حجرة املِها المستقبلي … تأبى أن ينقصه شئ …وتناجي وعدُ جنينها ليلاً و نهاراً .. تشرحُ له كل ما كان وسيكون ، ترجوه أن يغفر لها تخليها عنه ، تبكى بكاءً حاراً ثم تبتسم وهي تتذكر انها ستراه دائما وتطمئن عليه ..
باغتتها آلامُ المخاضِ … تُذكرها بأن لحظة الفراقِ قد حانت … تتصل باملِ … تُسابق أملُ الزمنَ وتسبقها إلي المشفى … بكل إحتياجات حلمِها المنشودِ …زينت غُرفةَ استقباله .. بالونات .. زهور .. ألعاب .. شيكولاتات .. هدايا للأطباء والتمريض .
وفى غرفةِ الولادة تعانى وعدُ ألاماً وأوجاعاً ومُخاوف فراق لم يبدأ بعد .. دعاء وحركة وينطلق صراخُ وعدِ مختلطاً بصوتِ الحياةِ … يشعر الحاضرون بالسعادةِ ويتبادلون التهاني.
أهتمت ملائكةُ الرحمةِ بالمولودةِ ، ابتسمت إحداهن وهى تقربها من وعد وتسألها بفرحةٍ " هتسمى الجميلةَ ايه ان شاء الله ؟ .. " ... ضمتها وعد الي صدرِها .. تأملت وجهها الملائكي .. لمست بشرتها .. انتفض قلبُها .. إنسابت دموعُها نهراً وهى تقبلها … وأتي صوت أمل يفيض بُشراً .. " هبة الله " .. اقتربت من وعد وربتت علي كتفِها ، مدت يدها لتأخذ الصغيرةَ … لكن وعد تتشبث بأبنتها تحتضنها بقوة .. وتردد بحزن واسى وأسف" سامحينى يا أمل " ..تتعلق أمل بالصغيرة .. تقبلها وهى تبكي وتُهمهم بكلماتٍ غير مفهومة كمن أصابتها لوثة ، جذبت وعد هبة الله وضمتها الي صدرها .. رحلت امل بقلب كسير وعينين باكيتين وعقل شارد ... تائه .
إضافة تعليق جديد