
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وإمتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن فترة حكم الدولة المملوكية، وهي دولة المماليك، وكما تذكر المصادر أنه إنتشرت في ذلك العصر صناعة تكفيت البرونز والنحاس بالذهب والفضة، وشغف المعاصرون بالنحاس المكفت، بحيث لم تكد دار تخلو بالقاهرة ومصر من عدة قطع نحاس مكفت، أما الزجاج فقد صنعت منه أنواع جميلة بعضها من البلور الصخري المحبب، والبعض الآخر من الزجاج الملون المستخدم في النوافذ، وكذلك الخزف الذي صنعت منه أواني متقنة جميلة، وكان بعضها يصنع بناء على توصية خاصة.
من السلاطين والأمراء، ولذلك زينت برنوكهم، ولم تكن الصناعات الخشبية أقل تقدما في عصر المماليك، إذ ما زالت الأبواب والدكك والمشربيات وغيرها من المصنوعات الخشبية الباقية من ذلك العصر تشهد على دقة الصناعة وتقدم وسائلها، وكانت طرابلس وصيدا وبيروت وبعلبك من أشهر مراكز صناعة السكر والزيت والصابون والزجاج والفخار والنسيج الحريري والصوفي والقطني، وكان التجار الأوروبيون يقبلون على شراء هذه المنتجات إقبالا شديدا، وتقول المصادر أن تحول التجارة مع الهند والشرق الأقصى من مرافئ وموانئ الدولة المملوكية إلى حول القارة الأفريقية، أدى إلى التدهور التجاري لمكانة الدولة المملوكية ومن ثم تدهور إقتصادها، وكان للسياسة الاحتكارية عند بعض سلاطين المماليك البرجية الأثر الأكبر في جعل الأوروبيين يبحثون طرق وأسواق تجارية جديدة.
وكان البرتغاليون هم الرواد في ذلك، فطوقت أساطيلهم العالم الإسلامي، وتدل جميع الشواهد على أن التجارة كان لها المقام الأول في النشاط الإقتصادي في العصر المملوكي، وأنها كانت المصدر الأول للثروة الهائلة التي عبرت عن نفسها في أعمال المماليك وحياتهم وما تركوه من آثار ومنشآت فخمة، ويرجع السبب في النشاط التجاري الذي تميزت به مصر في عصر المماليك إلى إنسداد معظم طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب منذ القرن الثالث عشر الميلادي، بسبب حركة المغول التوسعية وبذلك لم يبقى آمنا إلا طريق البحر الأحمر ومصر، مما جعل الدولة المملوكية تقوم في ذلك العصر بدور الوسيط بين الشرق والغرب، وفي البداية كانت الحركة التجارية ضعيفة بسبب إنتشار روح العداء والكراهية بين المسلمين والأوروبيين نتيجة الحروب الصليبية.
لكن ما أن خفت حدة الكراهية هذه، وتوقفت الغزوات والغارات، فتح المماليك أبواب ثغور الساحل للتجارة والحجاج النصارى، فانتعشت الحالة الاقتصادية، حتى أن بعض المدن كبيروت إرتفع عدد سكانها نتيجة هذه السياسة من بضع مئات إلى نحو عشرة آلاف نسمة، وقد أدرك سلاطين المماليك ما يمكن أن تعود به عليهم التجارة الخارجية من ثروة، فإهتموا بتنشيطها وتأمين مسالكها وإنشاء المؤسسات اللازمة للتجار كالفنادق والخانات والوكالات والقياسر والأسواق وغيرها، وكذلك حرصوا على التودد إلى قوى البحر الأحمر من ناحية، وإلى التجار الأوروبيين المترددين على الإسكندرية ودمياط من ناحية أخرى، وقد أمر السلطان قلاوون نوابه أن يحسنوا معاملة التجار ويلاطفونهم ويتوددون إليهم.
ولا يجبون منهم سوى الحقوق السلطانية، كذلك، كتب السلطان قلاوون منشورا إلى التجار الذين يفدون إلى مصر والشام من الشرق والغرب يصف لهم محاسن البلاد ويغريهم على القدوم إليها بمتاجرهم ويعدهم بحسن المعاملة والإحسان إليهم، ويفهم من المراجع المعاصرة أنه خصصت لكل جالية من التجار الأوروبيين فنادق خاصة بهم في الثغور والمراكز التجارية الكبرى في مصر والشام، ورتبت أمور هذه الفنادق بحيث يتمتع التجار الأوروبيون النازلين فيها بأكبر قسط من الحرية والتسهيلات.
إضافة تعليق جديد