رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأحد 1 مارس 2026 9:44 م توقيت القاهرة

المماليك تحاصر طرابلس الشام.. بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله وفَّق من شاء لمكارم الأخلاق وهداهم لما فيه فلاحهم يوم التلاق أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الخلاّق، وأشهد أن محمدا عبد الله وسوله أفضل البشر على الإطلاق صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين أما بعد ذكرت المصادر التاريخية في حكايات الدولة المملوكية، أنه شكلت الدولة المملوكية موطن الكثير من الطوائف المسيحية كان في مقدمتها الأقباط والروم والسريان والموارنة والنساطرة إضافة إلى طوائف مسيحية مهاجرة من الخارج مثل الكرجيين والأحباش والأرمن واللاتين وإختارت هذه الأقليات المهاجرة الإقامة في المدن التجارية والثغور، ولكل جالية منها قنصل يشرف على شؤونها ومصالحها، بدأ المماليك يستعملون الأقباط في دواوينهم بكثرة خلال سلطنة قطز وهو ما يدل على أن إضهاد النصارى.
لم يك سياسة ملنزمة لدى السلطة، يذكر بهذا الشأن الوزير القبطي شرف الدين أبو سعيد هبة الله، الذي عينه السلطان أيبك، والذي كان أظهر براعة في التشريع الضريبي لجمع أكبر كم من الأموال باسم "قانون الحقوق السلطانية" الذي حصلت الدولة به على مال كثير، وفي عهد الظاهر بيبرس أقيل جميع الأقباط ممن كانوا يعملون في ديوان الحرب وعلي الأرجح إحترازا من تسريب معلومات عن عدد الفرق العسكرية وأماكنها وتحركاتها، وأحل مسلمون محلهم، وفي يوم تنفيذ هذا القرار تم هدم دير الخندق الكائن خارج القاهرة بالقرب من باب الفتوح ولم يترك فيه حجر على حجر، كما زيدت عليهم الضرائب، أما في عهد قلاوون فقد عدل عن التزيد في الضرائب على الأقباط وعادت المساواة بينهم وبين المُسلمين في ذلك وأعيدوا إلى وظائفهم، لكن بعد فترة عاد هذا السلطان إلى التشديد عليهم.
فأمر بركوبهم الحمير وشد الزنانير وألا يحدث نصراني مسلما وهو راكب دابته ولايلبسون ثيابا مصقولة، وفي الشام شدد المماليك الخناق على الموارنة بالذات من بين سائر الطوائف المسيحية، وذلك لعلاقة أمرائهم ومقدميهم الوثيقة بالقوى الصليبية في أوروبا وقبرص، وبسبب اتباع الكنيسة المارونية للبابوية الكاثوليكية محركة الحملات الصليبية ضد ديار الإسلام، وعندما حاصر المماليك طرابلس لإسترجاعها من الصليبيين، أيام المنصور قلاوون، تصدى لهم موارنة شمال لبنان، فهاجم الجيش المملوكي جبة بشري، وحاصر قرية إهدن مقر الكرسي البطريركي وأسقطها، ثم اعتقل وقتل البطريرك دانيال الثاني الحدشيتي، وبعد جلاء الصليبيين عن المشرق بقي البابوات الكاثوليك على إتصال دائم ببطاركة الموارنة لأسباب دينية وأخرى سياسية وعسكرية.
مما أثار خشية سلاطين المماليك في القاهرة وعمالهم في طرابلس الشام، وأغضب السلطة المركزية على زعامات الطائفة المارونية الدينية والسياسية، وأفضى إلى عاصفة اضطهاد ضدهم، ويذكر الأب فرانسيسكو سوريانو رئيس دير الفرنسيسكان في بيروت ومعتمد البابا لدى الموارنة أنه في أيامه في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي حاولت البندقية شراء مدينة صور من السلطان المملوكي لكن مسعاها فشل، وكان البابا خطط لإقامة قاعدة صليبية شرعية في المشرق تقوم على غير الإحتلال بعد فشل الأساليب العسكرية في تحقيق الأهداف الصليبية، ومنها تنطلق حملة جديدة ضد المسلمين للسيطرة على الأراضي المقدسة، فأرسل سنة ألف وربعمائة وثماني وثلاثين ميلادي، رسالة إلى البطريرك الماروني يوحنا الثامن الجاجي يعلمه فيها أنه قرر عقد مجمعٍ لإتحاد الكنائس.
فسارع البطريرك لتقديم الطاعة والإعراب عن القبول بكل ما يحدده ويقرره المجمع وطلب درع التثبيت البطريركي، فثبته البابا بطريركا على كرسي أنطاكية وأنعم عليه بدرع الرئاسة، وحضر ممثلون عن البطريرك مجمع فلورنسا الرابع عام ألف وربعمائة وتسع وثلاثين ميلادي، ومن الطبيعي أن المماليك كانوا يرقبون علاقات البطاركة الموارنة الخارجية وإتصالاتهم بالبابوية إذ لم يلبث السلطان سيف الدين جقمق أن أرسل بعد هذه الحادثة كتاب براءة إلى بطريرك الطوائف الملكانية ينبهه ألا يقابل الأجانب وألا يستضيفهم لاسيما إذا كانوا من الأجانب المشتبه بهم أو المنتمين لرعايا مملكة أوروبية معادية، وألا يراسل حاكما أو ملكا في أوروبا ويبدو أن بعض مقدمي الموارنة في بشري كانوا على غير وفاق مع البطاركة في تصرفاتهم وعلاقاتهم غير العادية مع روما.
مما أزعج البطاركة وسبب إنقساما في الرأي بين الموارنة حول العلاقات السياسية مع كل من المماليك وأوروبا فقد كانت الصعوبات والمضايقات تكتنفهم بسبب السياسة العدائية للحكام الإفرنج في قبرص حيال دولة المماليك، وكان فريق معارضي البطاركة يرى أن مصالح الموارنة وإستقرارهم آمنين مطمئنين هي في إتباع نهج أجدادهم مع دول الخلافة السابقة القائم على الإعتراف بسيادة الدولة عليهم وعلى أراضيهم طالما أن الدولة ضمنت لهم حرية العبادة والعقيدة وكافة المصالح الإقتصادية والحياتية الأخرى.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.