
الحمد لله الذي أنعم وأجزل وتكرم وتفضل، أحمده سبحانه على فضله الآخر والأول وأشكره على عطائه المتقبل، وخيره المتبذل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الآخر والأول، جعل السنين دول والنصر لأوليائه لمن تدبر وتأمل، والذلة والصغار لمن كفر وتنصل والويل لمن تبع خطوات الشيطان وسول، وسوف في التوبة وطول، ذلك وعد الله لمن قرأ وتأصل وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله النبي المبجل والرسول الصادق الممول، طوبى لمن تمسك بسنته التي عليها المعول وحسرة لمن نبذها وتأول صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تمسك بهديه الأكمل وطريقه الأمثل، إلى يوم الجزاء والفصل أما بعد إن الجنة تزلف للمتقين وتقرّب إكراما لهم، وهم يزفون إليها وفودا مكرمين، وهي أبواب في غاية الوسع والكبر، حيث قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام" فياله من مشهد عظيم، فأبواب الجنة الثمانية تفتح، فأين أنت يا ترى؟ ومن أي باب تدخل؟ فإذا دخلت يا فرحة قلبك والملائكة تناديك " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " فتدخل الجنة وتمشي بقدميك على أرضها، فإذا بأرضها ليست كأرضنا، وتمشي على تراب هو الزعفران وتمشي على حصباء هي اللؤلؤ والياقوت، فهي أرض لها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها، وتدخل في الجنة وإذا هواؤها العليل وإذا ريحها الطيب فهي روح وريحان وإذا قصورها وبساتينها أمامك فهل تعرف قصرك؟ فهل يحتاج أهل الجنة إلى من يدلهم على بيوتهم ؟ لا والله، فقال جمهور المفسرين يعرفون بيوتهم في الجنة كما تعرفون بيوتكم في الدنيا، ثم ما بناء هذه القصور؟
أهي كبيوتنا مبنية من الطوب والإسمنت والرخام؟ لا بل هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها، أي الطين الذي يوضع بين اللبنات من المسك الأذفر وهو طيب الرائحة، وبناء آخر لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا وبناء آخر غرف يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها، واعلموا أن القرآن العظيم منهاج حياة فقد جاء ليبين للبشرية طريق نجاحها، وخطط رقيها وتقدمها، ولمّا كانت البشرية لا تخرج في مجموعها عن ثلاثة أشكال، هي أفراد وهي وحدة بناء المجتمعات، وأسر، وهي مجموعة من الأفراد تربط بينها وحدة الدم والنسب والمصاهرة، ودول، وقد تكوّن فيما بينها علاقات متبادلة، وتنشأ بينها خلافات، وربما حروب، وقد جاء القرآن الحكيم مستوعبا كل هذه الأشكال.
وواضعا لها المنهج الأكمل، كي تعيش منسجمة مع نفسها ومع الآخر، فحدد علاقات الأفراد بربهم سبحانه وتعالى، وحدد علاقاتهم بالأسرة وبالمجتمع الذي يعيشون فيه، كما حدد علاقات الدول بعضها ببعض، وكل ذلك بنظرة شمولية، وقواعد كلية صالحة لكل زمان ومكان، وإن ثروة القرآن المجيد لا تقف عند حد الاعتقاد الصحيح وتوحيد الخالق جل جلاله، بل من جملة هذه الثروة ما يترتب على التوحيد من تهذيب السلوك، وتربية العقل والوجدان، وتصحيح المعاملات، وتطبيق قواعد العدل، وقد احتوى القرآن العزيز، على أنواع من الأعمال التي كُلف بها المسلمون كالعبادات المحضة، والمالية، والبدنية، والاجتماعية، وقد اعتبرت هذه العبادات بعد الإيمان بالله تعالى أساس الإسلام، واشتمل القرآن العظيم على ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية.
وقد إحتوت جملة وتفصيلا على العبادات والعقائد والتكاليف وأصول الأحكام، والمعاملات، وعلاقات الأمم والشعوب، في السلم والحرب، وسياسة الحكم، وإقامة العدل، والعدالة الاجتماعية، والتضامن الاجتماعي، وكل ما يتصل ببناء المجتمع، ورسم شخصية المسلم الكامل خُلقا وأدبا وعلما.
إضافة تعليق جديد