

كتبت/ دنيا محمد نجم
غادر موقف الركاب قبل أن تأتي (هي) بخمس دقائق. عاد إلى البيت لأنه تذكر أمرا ليس بأهمية أن يلتقي صدفة بها. وهما منذ زمن قصير يمشيان، في اتجاهين، تحت سماء واحدة!
وتأخرت عن اللحاق بالموقف لأنها لم تطمئن سريعا لزينتها. وانتقلت إلى أكثر من مرآة حتى استقرّت على أن تخرج من دون أن تضيف شيئا من الأحمر على وجنتيها أو شفتيها. وفي وقوفها الأخير أمام المرآة راق لها وجهها، وكان مثلما يفضله (هو) “من غير سكر”، كما يدندن بأغنيته الأثيرة وهو يترك مكانه في الموقف!
دخل مسرعا إلى البيت، فتح أبوابا عديدة، ليخرج من أحدها بصورة نجمة سينمائية يرغبها، ورآها أكثر من مرة تتجوّل بقميص خفيف في غرفته
في طريقها إلى العمل رأتْ وجوها كثيرة، أزعجتها فكرة أن تشتبك كفها بكف أحدهم إلى الأبد، فراحت تزجي الطريق المزدحمة بأن تراءت نفسها في مشهد سينمائي، مكان النجمة التي يرغبها (هو)، وأمام النجم الذي ترغبه، وإنْ بدت متمنعة، وتركته في شتاء “كالقشة تحت الأمطار
منذ أن دخلتْ باب الشركة بادرتها إحدى زميلاتها هامسة: “ننتظر وفدا بعد ساعة”. لم يبد أن الأمر يحتاج إلى الهمس والحيطة المبالغة، لكن الزميلة، المفرطة بالاحمرار المكتسب، سال صوتها مثل مكعب سكر مسَّه ماء “ وكلهم رجال”
لامَ نفسه كثيرا، فقد تذكر أن اليوم تحديدا كان ينبغي أن يصل مكان عمله مبكرا، حتى يلتحق بالوفد الذي سيذهب إلى الشركة التي قال له مديره الأربعيني إنها تفوح بالفتيات اللواتي يخلبن العقول، ويجعلن الرجل الذي إذا ما حاول أن يبدو متزنا أمامهن، مالَ مثل الرأس في “القدح العاشر”!
خرج الوفد. لم تنجذب (هي) لأحد، و(هو) كذلك لم يمل لإحداهن بمقدار قدح فارغ!
كانا تحت سماء واحدة ومضى كل منهما إلى زاوية، فلم يلتقيا حتى حين اجتمعا مرة ثانية بعد أشهر في حفل زفاف مدير (هو) الأربعيني، وزميلة (هي) ذات الاحمرار المكتسب
حزن حزنا كثيرا. وعاد إلى بيته مهموما، ولشدة كآبته ابتاع قرصا ممغنطا يحوي كل أغاني هاني شاكر القديمة، وما إنْ وضعها في حاسوبه الشخصي حتى نخزه الألم ذاته الذي يأتي في “حكاية كل عاشق”!
أما (الحبيبة) فذهبت في تفكير فلسفي عميق، كانت خلفيته الموسيقية أغنية لميادة الحناوي، أرادت من خلاله أن تنتهي إلى بلادة وخواء تمنحها إياها “نعمة النسيان”، بيد أن المغنية الشامية راحت تذكرها، مع كل قفلة، أن “النسيان أماني”
ازداد وضعهما حرجا. (هو) تأثر لسماع صوت إيماني مفتعل في حافلة الركاب الصغيرة، فأهمل لحيته لزمن، وتدثر في منامه حاجبا قلبه وعينه عن إغواء النجمة السينمائية بقميصها الخفيف
ونزعت الحجاب مرّتين ولبسته في الثالثة. ولم تتردد بتغيير رقم هاتفها الجوّال، وتلغي من قائمته أزواجا مفترضين
إضافة تعليق جديد