
بقلم / محمــد الدكــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن مفهوم جبر الخواطر، والجبر عادة يقال عن العظم، وهو أكثر ما يؤلم عندما يكسر، فنضع له جبيرة كي يلتئم، وعكس الجبر هو الكسر، ولكم أن تتخيلوا كم هو مؤلم كسر العظام ومعروف أنها لا تلتئم بسهولة، وأحيانا يترك الكسر شروخا لذا سمّي بالجبر لأنه يحتاج وقتا ولا يأتي ببساطة لأن عادة الجبر يكون لكسر موجع، والخاطر هو القلب أو النفس، فيقال أخذ على خاطره يعني حزن وقلبه تأثر، وجبر الخواطر بسيط جدا، ولكن الإيجو أو الأنا دائما عند البشر يطغى، نخشى من أي فعل من ناحيتنا في معظم الأحيان من أجل أنفسنا أو الأنا المتضخمة داخلنا، وجبر الخواطر خلق إسلامي عظيم يدل على سمو نفس، وعظمة قلب، وسلامة صدر، ورجاحة عقل، يجبر المسلم فيه نفوسا كسرت، وقلوبا فطرت وأجساما أُرهقت، وأشخاص أرواح أحبابهم أزهقت.
فما أجمل هذه العبادة، وما أعظم أثرها ويقول الإمام سفيان الثوري "ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم" ومما يعطي هذا المصطلح جمالا أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى وهو "الجبار" وهذا الاسم بمعناه الرائع يطمئن القلب، ويريح النفس فهو سبحانه "الذي يجبر الفقر بالغنى، والمرض بالصحة، والخيبة والفشل بالتوفيق والأمل، والخوف والحزن بالأمن والاطمئنان، فهو جبار متصف بكثرة جبره حوائج الخلائق" وأنه لمّا عاش كثير من طلابنا فترات الغش والخداع بين العلم والعمل، ترى كثيرا منهم يحاول أن يغش في الامتحانات، وهو قد قرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تبرأ فيه من الغشاش قائلا " من غش فليس منى " رواه مسلم، بل ربما أنه يقرأه على ورقة الأسئلة، ولكن ذلك لا يحرك فيه ساكنا، لأنه قد استقر في ذهنه.
أنه لا علاقة بين العلم الذي يتعلمه وبين العمل الذي يجب أن يأتي به بعد هذا العلم، وإن للغش أسبابا كثيرة تعمل على إنتاج هذا الخلق المشين منها هو ضعف الإيمان، فإن القلوب إذا ملئت بالإيمان بالله لا يمكن أن تقدم على الغش وهي تعلم أن ذلك يسخط الله، لا يمكن للقلوب التي امتلأت بحب الله أن تقدم على عمل، وهي تعلم أنه يغضب الله، ومنها أيضا هو ضعف التربية هو خاصة من قبل الوالدين أو غيرهما من المدرسين أو المرشدين، فلا نرى أبا يجلس مع ابنه لينصحه ويذكره بحرمة الغش، ويبين له أثاره وعواقبه، ومنها تزيين الشيطان، فالشيطان يزين لكثير من الطلاب أن الأسئلة سوف تكون صعبة، ولا سبيل إلى حلها والنجاح في الامتحانات إلا بالغش فيصرف الأوقات الطويلة في اختراع الحيل والطرق للغش ما لو بذل عشر هذا الوقت في المذاكرة بتركيز لكان من الناجحين الأوائل.
وإن الغش له أثره السيئ على المجتمع فهو سبب لتأخر الأمة، وعدم تقدمها ورقيها، وذلك لأن الأمم لا تتقدم إلا بالعلم وبالشباب المتعلم، فإذا كان شبابها لا يحصل على الشهادات العلمية إلا بالغش، فقل لي بريك ماذا سوف ينتج لنا هؤلاء الطلبة الغشاشون ؟ ما هو الهم الذي يحمله الواحد منهم ؟ ما هو الدور الذي سيقوم به في بناء الأمة ؟ لا شيء ، بل غاية همه وظيفة بتلك الشهادة المزورة، لا هم له في تقديم شيء ينفع الأمة، أو حتى يفكر في ذلك وهكذا تبقى الأمة لا تتقدم بسبب أولئك الغششة بينها ونظرة تأمل للواقع نرى ذلك واضحا جليّا، فعدد الطلاب المتخرجين في كل عام بالآلاف ولكن قل بربك من منهم يخترع لنا؟ أو يكتشف؟ أو يقدم مشروعا نافعا للأمة؟ قلة قليلة لا تكاد تذكر، فإن هذا الغاش غدا سيتولى منصبا، أو يكون معلما وبالتالي سوف يمارس غشه للأمة، بل ربما علم طلابه الغش.
بل إن الوظيفة التي يحصل عليها بهذه الشهادة المزورة، أو التي حصل عليها بالغش، سوف يكون راتبها حراما لأنه بني على حرام، وأيما جسد نبت من حرام فالنار أولى به، فإن الذي يغش قد ارتكب عدة مخالفات إضافة إلى جريمة الغش، منها السرقة، والخداع ، والكذب، وأعظمها الاستهانة بالله عز وجل، وترك الإخلاص، وترك التوكل على الله سبحانه وتعالى، فعلينا جميعا أن تعاون في مقاومة هذه الظاهرة، كل بحسب استطاعته وجهده، فالأب في بيته ينصح أبنائه ويرشدهم ويحذرهم بين الحين والآخر، والمعلم والمرشد في المدرسة والجامعة كل يقوم بالوعظ والإرشاد، وكذلك الداعية في خطبه ودروسه، والإعلام بوسائله المختلفة، وهكذا كان العلم سبيلا وطريقا لتقدم الأمم ورقيها وازدهارها في كل زمان ومكان، ولقد رفع الله تعالى شأن العلم وأهله، وبيّن مكانتهم.
ورفع منزلتهم، ولم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستزادة من شيء إلا من العلم، فقال له سبحانه وتعالى فى سورة طه " وقل رب زدنى علما" وما ذاك إلا لما للعلم من أثر في حياة البشر، فأهل العلم هم الأحياء، وسائر الناس أموات، ولقد منع الله سبحانه المساواة بين العالم والجاهل لما يختص به العالم من فضيلة العلم ونور المعرفة.
إضافة تعليق جديد