

بقلمي جمال القاضي
نسأل أنفسنا لماذا نعاقبها أحيانا ؟ وماهي الأسباب التي جعلتنا نرغب في العزلة ؟
بين تفاعل وعزلة ، وتداخل وإبتعاد ، بين مد الحياه وجذرها ، يعيش الإنسان فيها ، راضيا أحيانا عن نفسه وتصرفاته ، فيذهب فرحا مسرورا في أن يكمل مابقى له فيها راضيا ، وبين سخط وعدم قبول لنفسه وما تأتيه من تصرفات لاتعجبه في المواقف ، فيذهب باحثا عن عزلة تقهر نفسه وتعذبها جزاءاً لها على عدم حسن تصرفها .
لكن ماهي الأسباب التي بها يكون الرضا والقبول ؟ وماهي التي تجعله يعاقب نفسه بالعزلة ؟
علينا أن نتعرف أولا على مكونات الشخصية ، علينا أن نتعمق في دواخلنا ، لنعلم مابها وماهو المتحكم فيما نفعله ومالانفعله .
فكل إنسان لديه ثلاثة محاور تتحكم فيه ، شهوات وغرائز ، ضمير يحمل كل المعتقدات التي توارثها والمبادئ التي تعلمها في حياته الأولى من الأسرة ومن الدين ومن المجتمع نفسه ، وحكم يقف أمام مايريده ، مع الأولى وتلك هي غرائزه ، فهي شهوات جسدية ، تستوجب الإشباع دون تفكير بأي شكل تكون ، ذلك هو الجانب الحيواني بكل جسد ، وبين الضمير وهو الأنا الأعلى الذي يرفض أو يسمح طبقا لما توارثه وتعلمه ورسخ في كيان شخصيته من العالم المحيط به ، وهذا الأخير يختلف بإختلاف المجتمعات والثقافات بل والديانات والمعتقدات ، فما هو مسموح في مجتمع قد ينافي تماما مجتمعا آخر ويرفض تحقيقه بالكلية إالا بالطرق المشروعه في نظره .
لكن هناك عامل ومحور آخر وهو الأنا ، ذلك يقف دائما بين التحقيق والرفض ، ينسق بين الشهوات والأنا الأعلى ، لايرفض كلها ولا يحقق كلها ، يحقق في حدود لاتغضب الأنا الأعلى ويقبل في حدود ترضى الشهوات والغرائز .
وتظهر ملامح الشخصية في النهاية طبقا لسيطرة أحد المحاور الثلاثة أو التناسق والترتيب بينهم جميعا ، فإن كان للشهوات سيطرة دون غيرها وصفت الشخصية بالشخصية الشهوانية الحيوانية معدومة الأخلاق والضمير ، وذلك عند غياب الأنا ودوره في التحكيم والتحكم بين باقي المحاور ، وإن كان هناك سيطرة كاملة على الأنا الأعلى ، وصفت الشخصية بالمثالية ، لكنها هنا مثالية مفقودة الواقع ، حيث أن هذا النوع يجعل صاحبه في حالة عقاب مستمر ، وذلك لعدم قدرة الأنا في القيام بدوره في إيجاد سبل للإشباع للرغبات والغرائز بجميع أنواعها .
ولماذا كان عقاب النفس ؟
تأتي لحظات يشعر فيها الإنسان بشيء ما بداخله ، وذلك نتيجة لرفض تحقيق رغباته أو جزءاً منها ، وكان من سطو الأنا على محاور شخصيته ، فهو الذي كان دائما من يوجه اللوم والعتاب ، رافضا أن يفعل مايريده الإنسان ، وذلك للصمت الدائم للأنا الذي هو كان عليه أن يسمح بالتحقيق ، فيكون الجزاء هو الغضب وعدم الرضا ، فترى الشخص يخلو دائما بنفسه بعيدا عن المواقف بالكلية ، حتى لايذيد من عقابه لنفسه ،
لكن هذه الحالة لايكتفي فيها العقاب بالعزلة ، فيمتد العقاب إلى الإستسلام لكل عوامل الطبيعة ، رافضا فيها تناول الطعام والشراب عمدا ، حتى يكتمل العقاب على الجسد وشواته فتهدم قواه ، ويسطو على جسد المرض مستريحا في ذلك بما أصابه عقابا لنفسه ، فتراه بحالة رافضا فيها كل التعامل أو الإنخراط في المجتمع .
لكن الأمر لم يتوقف بهذا العقاب والعزلة القاتلة ، تمتد إلى أبعد من ذلك ، تراه يكره من كان يشبهه في حالته ، يكره كل مايذكره بأشياء قد جعلته هكذا ، مستسلما في النهاية ومنتظرا لمصير يرى أنه هو الأفضل في نظره وهو أن تنتهي حياته إلى حيث يرغب .
بقلمي جمال القاضي
جمهورية مصر العربية
إضافة تعليق جديد