
يمر الإنسان في حياته بمراحل كثيرة يظن في كل مرحلة أنه أصبح أكثر فهما للحياة وأكثر قدرة على التعامل مع الناس لكنه مع مرور السنوات يكتشف أن ما يتغير داخله ليس مجرد أفكار عابرة بل نظرة كاملة إلى العالم من حوله في البدايات يكون القلب ممتلئا بالحماس والاندفاع يثق الإنسان في الناس بسهولة ويصدق الكلمات بسرعة ويعتقد أن النوايا دائما واضحة وأن الحياة تسير كما يتمنى
من يعمل ويجتهد ويحلم لكن الأيام لا تمضي دائما كما يتوقع الإنسان فالتجارب تترك آثارها في الداخل شيئا فشيئا يتعلم الإنسان دروسا لم يقرأها في كتاب ولم يخبره بها أحد بل عرفها بنفسه حين واجه مواقف لم يكن مستعدا لها يتعلم أن بعض الكلمات الجميلة قد لا تكون صادقة دائما وأن بعض الوعود قد تختفي مع أول اختبار وأن الناس ليسوا دائما كما يظهرون في البداية ومع ذلك لا يتحول
الإنسان بالضرورة إلى شخص قاس أو فاقد للثقة لكنه يصبح أكثر هدوءا في أحكامه وأكثر حذرا في مشاعره وأكثر قدرة على رؤية ما وراء الكلمات فالتجارب لا تسرق من الإنسان قلبه لكنها تعلمه كيف يحميه يتعلم أن يمنح ثقته لمن يستحق وأن يبتعد بهدوء عن الأماكن التي يشعر فيها أن وجوده لم يعد يعني شيئا ومع مرور الوقت يكتشف الإنسان أيضا أن أشياء كثيرة كان يعتقد أنها مهمة
لم تعد كذلك المكانة التي كان يسعى إليها قد تبدو أقل قيمة والضجيج الذي كان يلفت انتباهه قد يصبح مجرد صوت عابر لا يستحق كل هذا الاهتمام يبدأ الإنسان في البحث عن أشياء أبسط لكنه يراها أكثر صدقا يبحث عن راحة القلب قبل أي شيء آخر وعن العلاقات التي لا تحتاج إلى تبرير دائم وعن اللحظات التي يشعر فيها أنه يستطيع أن يكون نفسه دون خوف أو تردد وهنا يحدث
التغيير الحقيقي داخل الإنسان ليس في شكله ولا في كلماته بل في طريقة فهمه للحياة يصبح أقل اندفاعا لكنه أكثر عمقا أقل كلاما لكنه أكثر إدراكا لمعنى ما يقوله أقل انشغالا بآراء الآخرين لكنه أكثر اهتماما بما يشعر به في داخله وقد يظن البعض أن هذا التغيير يعني أن الإنسان فقد شيئا من حماسه القديم لكن الحقيقة أنه اكتسب شيئا آخر ربما يكون أهم وهو القدرة على رؤية الأمور
بوضوح أكبر فالحياة مع مرور السنوات لا تعطي الإنسان كل ما يريد لكنها تعطيه فهما أعمق لما يستحق أن يريده ولهذا نجد أن الإنسان في نهاية المطاف لا يصبح شخصا مختلفا تماما بل يصبح نسخة أكثر هدوءا وأكثر وعيا من نفسه القديمة نسخة تعرف أن بعض الأشياء لا تستحق كل هذا القلق وأن بعض الطرق لا تستحق أن نسير فيها مرة أخرى يكتشف الإنسان أن التغيير الذي حدث
داخله لم يكن خسارة كما كان يظن بل كان رحلة طويلة نحو فهم أصدق للحياة ونحو سلام داخلي لا يأتي إلا بعد الكثير من التجارب والكثير من الصبر
إضافة تعليق جديد