رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأحد 8 فبراير 2026 8:40 م توقيت القاهرة

هدنة غزة بين الضغوط الأمريكية وشبح الانهيار

كتب ضاحى عمار
تحت وطأة ضغوط سياسية أمريكية مباشرة، استجابت Iسرائيل لاستئناف وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعد ساعات فقط من تصعيد عسكري خلف عشرات القتلى والجرحى وأعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب التي لم يكد القطاع يتنفس من رمادها. وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي أن وقف إطلاق النار ما زال ساريا، بدت الصورة على الأرض أكثر هشاشة وتعقيدًا، إذ تصاعدت المخاوف من انزلاق الهدنة إلى مرحلة الانهيار الكامل، خصوصًا في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة بين حماس والحكومة الإسرائيلية حول مسؤولية خرق الاتفاق.
لم يكن قرار استئناف إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة يوم الاثنين وليد لحظة عابرة، بل جاء ثمرة ضغوط قوية مارستها الإدارة الأمريكية عبر مبعوثين خاصين على رأسهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، اللذين سيتوجهان إلى إسرائيل في محاولة جديدة لتثبيت الهدنة. ويبدو أن هذه الخطوة جاءت لاحتواء تداعيات التصعيد الأخير الذي أدى إلى مقتل جنديين إسرائيليين ورد تل أبيب بسلسلة من الغارات الجوية التي أودت بحياة 26 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، في مشهد أعاد توتير الميدان بشدة.
ومع بدء العد التنازلي ليوم الاثنين، تحولت أنظار سكان غزة إلى المعابر الإنسانية التي باتت شريان الحياة الوحيد لهم، وسط أزمة إنسانية خانقة زادتها حالة الترقب والتوتر. كثير من العائلات سارعت إلى شراء مستلزماتها الأساسية خوفًا من انهيار الهدنة، فيما فضلت أسر أخرى النزوح جنوبًا بعد استهداف مناطق قريبة من مساكنها. ويكشف هذا السلوك عن حالة عدم الثقة المتزايدة في صمود الهدنة، خصوصًا في ضوء تجارب سابقة انهارت فيها اتفاقات مشابهة في غضون أيام قليلة.
يرى اللواء أشرف فوزي، الخبير الأمني، أن الموقف الأمريكي كان العامل الحاسم في تراجع إسرائيل عن قرار وقف إدخال المساعدات، مشيرًا إلى أن واشنطن لا تريد أن تتحمل مسؤولية انهيار الهدنة أمام المجتمع الدولي. ويقول إن الإدارة الأمريكية تستخدم نفوذها لتثبيت الهدنة، لكنها في الوقت نفسه تضغط على الطرفين للالتزام الحرفي ببنودها، وهو ما يعكس رغبة واضحة في إبقاء الوضع تحت السيطرة دون الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة.
أما المحلل السياسي رائد قديح فيعتبر أن الأزمة الحالية تمثل اختبارًا صعبًا لقدرة الوساطة الأمريكية على الصمود أمام وقائع الميدان. ويقول: رغم استئناف وقف إطلاق النار، فإن حالة عدم الثقة بين الطرفين ما زالت عميقة، وهو ما يجعل الهدنة مرشحة للانفجار في أي لحظة إذا لم تتوافر ضمانات حقيقية للتنفيذ ويضيف أن كل طرف يسعى لفرض شروطه على الأرض، في الوقت الذي تعجز فيه الأطراف الدولية عن فرض آلية رقابة صارمة على الانتهاكات.
في المقابل، تواصل إسرائيل التأكيد على أنها لن تتسامح مع أي محاولة لعبور الخط الأصفر الذي رسمته بموجب اتفاق وقف إطلاق النار. وهدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن أي خرق سيقابل بإطلاق النار، وهو ما يشير إلى أن الهدنة تقف على خيط رفيع بين الهدوء والانفجار. كما أن استمرار إغلاق معبر رفح الحدودي أمام حركة الإمدادات الإنسانية يضاعف من هشاشة الوضع الميداني، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى مساعدات عاجلة وفق تقارير الأمم المتحدة
وتأتي هذه التطورات بينما لم تُحل بعد القضايا الجوهرية التي تقف خلف الأزمة، وعلى رأسها مسألة نزع سلاح حماس، وتحديد من سيتولى إدارة القطاع في المستقبل، وتشكيل قوة استقرار دولية، إلى جانب ملفات عالقة مرتبطة بإعادة الإعمار وتثبيت الأمن. وهي قضايا وصفها اللواء أشرف فوزي بأنها قنابل موقوتة يمكن أن تفجر الهدنة في أي وقت إن لم يتم التعامل معها بجدية وعلى أعلى المستويات.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية، رغم نجاحها النسبي في فرض استئناف الهدنة، تدرك جيدًا أن تثبيت السلام في غزة يتطلب ما هو أكثر من الضغط السياسي. فالملفات الأمنية والإنسانية مترابطة بشكل يجعل أي إخلال بأحدها ينعكس مباشرة على الآخر. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف الدولية على فرض تسوية تضمن الاستقرار النسبي، حتى وإن كان هشًا.
التحركات الدبلوماسية المكثفة والضغوط السياسية قد تؤدي إلى تمديد عمر الهدنة مؤقتًا، لكنّ الواقع على الأرض يشير إلى أن الهدوء الراهن هش وقابل للانفجار مع أول شرارة جديدة. ورغم التصريحات المطمئنة من الجانبين، فإن حالة التوجس الشعبي والسياسي لا تزال تطغى على المشهد، لتبقى غزة رهينة معادلة غير مستقرة، عنوانها الأساسي هدنة تحت الضغط… على حافة الانهيار

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
11 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.