رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأربعاء 1 أبريل 2026 12:25 م توقيت القاهرة

إن الإنسان لفى خسر

بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يرحمكم الله أن الإنسان يعمل في هذا العصر أي في هذا الدهر وفي هذا العمر، يعمل إما في الخير وإما في الشر، ولذلك أقسم الله بهذا العصر فقال تعالى " والعصر إن الإنسان لفى خسر " وهذا المقسم عليه هو الإنسان أي كل إنسان سواء كان من الملوك أو من الصعاليك أو من العلماء أو من الجهال أو من الأغنياء أو من الفقراء أو من الذكور أو من الإناث أو من العرب أو من العجم كل إنسان، وقوله تعالى "فى خسر" أي في خسارة، أى في خسارة ونقص مع هذا العصر الذي عاشه إلا من اتصف بأربع صفات، من اتصف بأربع صفات نجا من هذه الخسارة، ومن فقدها فهو خاسر، ولو كان يملك الأرصدة الفخمة ولو كان يملك القصور العالية والعمارات، ولو كان يملك القوة والجنود، ولو كان يخترع الطائرات والدبابات والمدمرات، ولو كان ما كان فإنه خاسر وعمله الذي عمله في هذه الدنيا خسار لا ينفعه عند الله سبحانه وتعالى. 

إلا من اتصف بأربع صفات الصفة الأولى وهى الإيمان بالله عز وجل، فهو قد آمن بالله سبحانه وتعالى، فآمن بالله ربا وإلها وملكا، فقد آمن به تمام الإيمان فعبده حق عبادته وترك ما نهاه عنه وهذا قوله تعالى " إلا الذين آمنوا " وهذه واحدة، وأما الثانية وهى " وعملوا الصالحات " أى عملوا مع الإيمان عملوا الأعمال الصالحة، وتركوا الأعمال المحرمة، عملوا بالطاعات وتجنبوا المحرمات، وإعلموا يرحمكم الله أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أول من أسلم من الصبيان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه يوم خيبر" لأعطين الرايةَ غدا رجلا يحب الله ورسولَه، ويحبه الله ورسوله" فأعطاها عليّ رواه البخاري، وصلى صلى الله عليه وسلم على شهداء أحُد بعد ثماني سنين من استشهادهم كالمودّع لهم، متفق عليه، وكما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر جارية سوداء كانت تقم المسجد. 

وقيل أنه مرّ أعرابي على ابن عمر رضي الله عنهما فقال له ابن عمر ألست ابن فلان بن فلان؟ قال بلى، فأعطاه ابن عمر دابة كان يركبها وقال اركبها، وأعطاه عمامته وقال اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه غفر الله لك، أعطيت هذا الأعرابي دابة كنت تروح عليها وعمامة كنت تشد بها رأسك، فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن من أبرّ البر صلة الرجل أهل وُد أبيه بعد أن يولي" وإن أباه كان صديقا لعُمر" رواه مسلم، وقيل أنه أتى شابان إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان في المجلس، وهما يقودان رجلا من البادية فأوقفوه أمامه، قال عمر ما هذا؟ قالا يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا، قال أقتلت أباهم؟ قال نعم قتلته، قال كيف قتلته؟ قال دخل بجمله في أرضي، فزجرته فلم ينزجر، فأرسلت عليه ‏حجرا وقع على رأسه فمات، قال عمر النفس بالنفس، لا بد أن تقتل كما قتلت أباهما. 

وانظروا إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لم يسأل عن أسرة هذا الرجل، هل هو من قبيلة قوية أو ضعيفة؟ وهل هو من أسرة معروفة ولها أهمية في المجتمع؟ كل هذا لا يهم الفاروق عمر رضي الله عنه لأنه لا يجامل أحدا على حساب شرع الله، ولو كان ‏ابنه ‏القاتل لاقتص منه، قال الرجل يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي رفع السماء بلا عمد ‏أن تتركني ليلة لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأخبرهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا، قال عمر مَن يكفلك أن تذهب إلى البادية ثم تعود إليّ؟ فسكت الناس جميعا إنهم لا يعرفون اسمه ولا داره ‏ولا قبيلته، فكيف يكفلونه؟ وهي كفالة ليست على مائة دينار، ولا على عقار، ولا على ناقة، إنها كفالة على الرقبة أن تقطع بالسيف، فسكت الناس والفاروق عمر متأثر لأنه ‏وقع في حيرة، هل يقدم فيقتل هذا الرجل وأطفاله يموتون جوعا هناك؟ 

أو يتركه فيذهب بلا كفالة فيضيع دم المقتول؟ وسكت الناس ونكس عمر ‏رأسه والتفت إلى الشابين أتعفوان عنه؟ قالا لا، مَن قتل أبانا لا بد أن يقتل يا أمير المؤمنين، قال عمر مَن يكفل هذا أيها الناس؟ فقام أبو ذر الغفاري بشيبته، وقال يا أمير المؤمنين، أنا أكفله، قال عمر هو قتل، قال ولو كان قاتلا، قال أتعرفه؟ قال ما أعرفه، قال كيف تكفله؟ قال رأيت فيه سمات المؤمنين فعلمت أنه لا يكذب، وسيفي بعهده إن شاء الله، قال عمر يا أبا ذر، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك؟ قال الله المستعان يا أمير المؤمنين، فذهب الرجل وأعطاه عمر ثلاث ليالى، يهيئ فيها نفسه، ويودع ‏أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده ثم يأتي ليقتص منه، لأنه قتل، وبعد ثلاث ليالى لم ينسى عمر الموعد، وفي العصر ‏نادى ‏في المدينة الصلاة جامعة، فجاء الشابان، واجتمع الناس، وأتى أبو ‏ذر ‏وجلس أمام عمر، قال عمر أين الرجل؟ 

قال ما أدري يا أمير المؤمنين وتلفت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها، وقبل الغروب بلحظات، إذا بالرجل يأتي، فكبّر عمر وكبّر المسلمون‏ معه، فقال عمر أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك، قال يا أمير المؤمنين، والله ما عليّ منك ولكن عليّ من الذي يعلم السرّ وأخفى، ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ‏ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئت لأقتل، وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس، فسأل عمر بن الخطاب أبا ذر لماذا ضمنته؟ فقال أبو ذر خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس، فوقف عمر وقال للشابين ماذا تريدان؟ قالا وهما يبكيان عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه ووفائه بالعهد، وقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس، فقال الفاروق عمر الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
9 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.