

للكاتبة /أماني عطا الله
استيقظت بصعوبة في صباح اليوم التالى، اغتسلت وارتدت ملابسها سريعًا بعد أن أصر على أن يصلا إلى الردهة معًا، استقبلها مراد بابتسامة واسعة ردتها بأخرى باهتة مما أثار دهشته فغمغم قائلًا :
- ملك.. هل أنت بخير ؟
- نعم.. فقط لم أنم جيدًا
ربما وجود سوزان بجواره خفف كثيرًا من حصاره الذى نسجه حولها وسمح لها ببعض الحرية وإن كانت حرية مقيدة إلى حد ما، وصلا إلى جزيرة كريت في وقت مبكر وبرغم هذا فقد كانت مزدحمة بالسائحين من كل أنحاء العالم
نظرت ببعض التردد إلى يد مراد التى بسطها نحوها حتى يساعدها في تسلق المنحدرات الصخرية الوعرة التى تتميز بها المنطقة.. تأملها في حيرة وما لبث أن صاح يحثها على الإمساك بها :
- هيا يا ملك، أعطنى يدك..!
مدت يدها إليه ولكنها ما أن أبصرت نظرات خالد المحدقة بها حتى تراجعت وكادت تسقط بين الصخور لولا يد مراد التى تشبثت بها في استماتة وسط ذهول خالد الذى اتسعت عيناه فزعًا وقال صارخًا :
- تمسك بها جيدًا
كانت ترتعد فلم تشعر بذراعى مراد الذى ضمها إليه وهو يلعن ساخطًا، وصل خالد بصحبة سوزان إلى حيث وقفا يلهثان .. جذبها إليه وصاح في قلق :
- هل أنت بخير ؟
هزت رأسها وكأن لسانها لم يتحرر بعد من الصدمة، ابتلع ريقه في صعوبة.. هل ما فعلته الآن نتج عن حديثه الجاف لها ليلة أمس ؟ همس وهو يجذبها جانبًا :
- ما فعلته بالأمس كان خوفًا عليك وعلى حياتك.. ولم أفعله أبدًا لقتلك، أنا لن أزعجك بقيودى بعد الآن .. ولكن بالله عليك يا ملك فكرى في تصرفاتك قبل أن تفعليها.. اتفقنا؟
ابتسمت وهى تحاول التحكم في انفعالاتها بينما تقدمت منهما سوزان ببعض الضيق قائلة :
- حمدًا لله على سلامتك يا ملك ..
تأبطت بعدها ذراع خالد في تملك وأردفت :
- ألن نذهب من هنا.. ؟ أريد مشاهدة بعض السواحل القريبة
- حسنًا يا حبيبتى..
التفت إلى ملك ومراد وأردف :
- هل تأتيان معنا ؟
قالت ملك بسرعة :
- نعم، سنلحق بكما
شعر مراد بالراحة وهو يراها تستعيد حيويتها تدريجيًا وإن كانت ما زالت مختلفة عن فتاته التى أسرته بالأمس، من المؤكد أن لـ خالد يدًا في هذا التبلد الذى يعتريها اليوم، ما زال يتذكر عبوسه حين رآه يراقصها، إن كان يعشق سوزان بالفعل.. فلماذا يعترض على علاقته بـ ملك ؟
9- من أجلك..
- لماذا لم تأت بى إلى هنا منذ البداية..؟ ملابس كثيرة تروق لى وما معى من نقود الآن لا يكفى.. يا الله.. الأسعار هنا مختلفة تمامًا ؟
هتفت ملك فى مزيج من الانبهار والأسى وهى تتأمل الملابس الجميلة التى اكتظ بها السوق الكبير، كان يمكنها أن تشترى الكثير منها بالمبلغ الذى أعطاه لها خالد وأنفقته كله على قطعتين فقط
- لا عليك، معى نقود.. ما الذى أعجبك ؟
- كل الملابس هنا تعجبنى
ضحك في مرح قائلًا :
- ليس لهذا الحد
- اطمئن فأنا لا أستطيع أن آخذ منك نقودًا هذه المرة
- لماذا ؟
- لن أستطيع أن أطلب من خالد المزيد من النقود وبالتالى فلن يكون بمقدورى أن أردها إليك
- ومن قال بأننى أريدها مرة أخرى ؟ اعتبريها هدية .. عربون صداقة
- أشكرك، لا أستطيع
- لم نكن في حاجة للمجئ إلى هنا إذًا
زفرت في ضيق ربما كان محقًا، إن لم تشتر شيئًا فما جدوى المجئ..؟ هل أتت إلى هنا للتحسر فقط على ما أنفقته لشراء زى واحد؟ ولكن من أين تأتى بالنقود ..؟
ما تبقى من المبلغ الأخير الذى أعطاه لها خالد قد يساعدها في شراء قطعة أخرى مناسبة وربما قطعتين أيضًا في ظل هذه الأسعار المخفضة
تعجبت عندما اشترت خمس قطع كاملة بهذا المبلغ الضئيل، منها بنطال قصير كانت تسخر في بادئ الأمر من كثيرات كن يرتدينه، همست في سعادة :
- حمدًا لله، لقد اشتريت كل ما أريده
- كلا، ليس بعد
- ماذا تعنى ؟
- دعينى أهديك ثوبًا للسهرة، القطع الخفيفة التى اشتريتها الآن لا تصلح أبدًا
- لا تعقد الأمور، معى الكثير من الملابس في خزانتى بالباخرة
- هذه الملابس الأثرية !!
- وماذا سأفعل بها إذًا ؟
- اجمعيها في الحقيبة وألقي بها في البحر
شهقت في استنكار قائلة :
- أنت تمزح ! ستكون خسارة فادحة أن ألقي الحقيبة في البحر
- احتفظى بالحقيبة إذًا، ألقى بالملابس فقط
ضحكت وهى تلكزه فى مرح قائلة :
- مجنون !!
بادلها الضحك لا مبالياً وتبعها في طريق العودة قبل أن يتوقف فجأة ويمسك بأحد الأثواب قائلًا :
- ما رأيك في هذا ؟ وكأنه صنع خصيصًا لترتديه أنت
نظرت إلى الثوب السماوى الأنيق وعضت على شفتيها في شغف، ربما أمكنها أن تطلب من خالد المزيد من النقود ولكن لا يمكنها أن تترك ثوبًا بهذا الجمال.. تيقنت من صدق مشاعرها عندما ارتدته لتجربه .. لمعت عيناها وهى تهتف فى خجل وحيرة :
- حسنًا ولكن ....
- سأدفع ثمنه
خلعت الثوب وأعطته للبائعة التى وضعته في كيس من البلاستيك وأعادته إليها مبتسمة، ما أن مدت يدها لتتناوله منها حتى برقت عيناها وهى تحدق في زوج الأساور الذهبية التى تزين معصمها، تستطيع الآن أن تشترى المزيد من هذه الملابس الرائعة دون الحاجة إلى نقود خالد التى تشعرها بالحرج
- مراد، أريد مساعدتك في بيع هذه الأساور الذهبية
- ماذا ؟ مستحيل.. لستِ في حاجة لذلك
- أنا في حاجة إلى ثمنها الآن
- يمكننى منحك ما شئت من نقود
- لن أستطيع ردها إليك بسهولة هذه المرة
- وأنا لا أريدها
توقفت عن السير وصاحت في عناد :
- اعتراضك لن يغير من الأمر شيئًا.. فقد اتخذت قرارى وسوف أبيعها في كل الأحوال.. إن لم تساعدنى أنت يمكننى الاستعانة بأى من هؤلاء الباعة الذين يكتظ بهم السوق
تركته وابتعدت بالفعل ولكنه لحق بها وهو يهتف في عدم اقتناع :
- انتظرى، اليونان تعانى من اقتصاد متدهور وربما تتعرضين لعملية نصب تفقدين فيها أساورك دون مقابل
- ساعدنى أنت إذًا
زفر بضيق قبل أن يهز رأسه ويصيح مستسلمًا :
- أيتها العنيدة، أنا غير مقتنع بهذا.. ولكننى سوف أساعدك.. تعالى معى
عرضا الذهب على أكثر من بائع للمصوغات الذهبية للحصول على سعر أفضل، أثار إعجابها إتقانه للغة الإنجليزية وقدرته على الحوار والمجادلة في طلاقة وثبات.. لا يبدو متشردًا كما كانت تظن.. انتابها فضول نحوه وشعرت برغبة حقيقية فى معرفته عن قرب ..
أخيرًا قرر بيع سوار واحد وأعاد لها الآخر قائلًا :
- هذا المبلغ يفى بالغرض
قالت وهى تضع السوار في يدها من جديد :
- أشكرك، هل يوجد سوق مثل هذا في إيطاليا أيضًا ؟
- ماذا تقصدين ؟
- يمكننا بيع هذا السوار هناك
- تبًا لك
قالها ضاحكًا قبل أن يردف من جديد :
- وماذا ستفعلين في فرنسا ؟
عضت على شفتيها في أسى قائلة :
- ليتنى أحضرت سوارًا ثالثًا معى، خالتى هى من رفضت خوفًا عليَ من اللصوص
عاد يضحك قائلًا :
- معها حق أيتها الطائشة المستبدة، على أية حال اطمئنى، سوف نشترى الآن كل ما يغنيك عن التسوق مرة أخرى، الأسعار هنا متدنية جدًا بالنسبة للبلدان التى سنزورها لاحقًا
- لماذا والأشياء تبدو رائعة ؟
- بسبب التدهور الاقتصادى كما أخبرتك، اليونان دولة أوربية فقيرة وتعانى من الديون
همست فى خبث :
- مسكينة ..!
ضحك فأردفت :
- ولكن السبب الأكيد هو حسن حظى أنا
عاد يقهقه من جديد وهما يتجولان في مرح من بائع لآخر قبل أن يكتفيا بحقيبتين كبيرتين في يد كل منهما.. واحدة تخصه وثلاث لها :
- مراد لا أدرى كيف أشكرك
- ارتدى أحد الأثواب الجميلة التى اخترتها لك، وارقصى معى الليلة
*****
استيقظ خالد مرغمًا على الرنين المتواصل لهاتف غرفته بالفندق، فتح عينيه بصعوبة وهو يتناول سماعته هامسًا بصوت مازال النوم يكسو نبراته
- ألو.. من المتحدث ؟
أجابه صوت سوزان مستنكرًا :
- أنا أبحث عنك في كل مكان وأنت ما زلت نائمًا أيها الكسول..!
ابتسم وهو يتثاءب قائلًا :
- صباح الخير سوزان، أين أنت الآن ؟
- في الردهة الأمامية، لا تتأخر فأنا لم أتناول فطورى بعد
- حسنًا حبيبتى لن أتأخر
وجدها هناك تنتظره في ابتسامة واسعة لا تخلو من العتاب، ولكن ابتسامتها تبخرت ما أن اقترب منها وسألها بلهفة قبل أن يفكر حتى في رد تحيتها :
- أين ملك ؟
حدقت به غاضبة قبل أن تتركه وتمضى غير مبالية باعتذاره ولا بمحاولاته اللاحقة لتبرير موقفه الذى أدهشه هو قبل أن يدهشها، زفر ساخطًا وهو يتبعها إلى حجرتها التى لاذت إليها مسرعة
اضطرت بعد الحاحه الشديد أن تفتح له بابها فتصنع ابتسامة قائلًا :
- ماذا تفعلين ؟
- أرتب حقيبتى، سوف أعود إلى أمريكا
- ولكن رحلتنا لم تكتمل بعد
- اكملها مع من بدأتها معها
أحاطها بذراعيه قائلًا :
- سوزان لا تضخمى الأمور، أنت تعلمين كم أحبك، لطالما حلمنا بهذه الرحلة معًا
- أنا لا أضخم الأمور ولكن يبدو أنك لم تعد تدرى بما تفعله
- سوزان حاولى أن تتفهمى موقفى، ما أفعله لا يتعدى كونه خوفًا على ملك
تأملته في ريبة قبل أن تشيح بوجهها عنه صامتة فأردف وهو يديرها إليه :
- ملك عاشت عمرها كله في القرية ولم تغادرها، أفكارها ساذجة ولا خبرة لها في الحياة، أخشى أن تبهرها أجواء الحرية التى تحياها الآن وتقودها إلى ما يجعلنى أشعر بالذنب نحوها ما تبقى من عمرى
- تتحدث عنها وكأنها طفلة صغيرة لا حول لها ولا قوة
- نعم، هى كذلك بالفعل.. لا تخدعك وحشيتها أحياناً
- لو لم يكن مراد معها لربما التمست لك عذرًا
غمغم ساخطًا :
- مراد هذا هو ما يزيد من قلقى عليها
- كفاك إنكارًا، كن شجاعًا وقل علانية بأنك تحبها وتغار منه
- نعم أنا أحبها، أحبها كثيرًا
اتسعت عيناها وفتحت فمها لتصرخ في وجهه ولكنه قبلها قبل أن تتسع ابتسامته هامسًا :
- وكيف لا أحبها وقد رأيت بسببها في عينيك.. ما تمنيت أن أراه فيهما طيلة عمرى
- كم أتمنى أن أصدقك !
ضمها إليه في قوة، ربما كان مبالغًا بالفعل في خوفه على ملك، ربما كان الأمر لا يستحق كل هذا القلق الغير مبرر الذى أزعج سوزان وجعلها تظن بأنه غير مبال بها.. يتعين عليه أن يبذل بعض الجهد لإسعادها ونزع القلق الذى سيطر عليها مؤخرًا ...
*****
إضافة تعليق جديد