
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد جاء في المصادر الإسلامية أن القرآن الكريم على أوامر عديدة، كلها تعزز معنى أن يكون المؤمن مفكرا تفكيرا إيجابيا، نافعا في مجتمعه، وأوضح أنه إشتمل أن الخير في الإيجابية الفاعلة، لا في الأمنيات المجردة، حيث قال تعالى في سورة النساء " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " فالقرآن هنا يقرر قاعدة عظيمة أن الخير كل الخير في المبادرات التي تصلح، وتبني وتوجه طاقة صاحبها نحو خدمة الناس، ويقول ابن رجب الحنبلي عند تعرضه لهذه الآية، فنفى الخير عن كثير مما يتناجى به الناس.
إلا في الأمر بالمعروف، وخصّ من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس لعموم نفعها، فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله، فخصّه بمن فعله إبتغاء مرضات الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرا، وإن لم يبتغ به وجه الله لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به للناس إحسان وخير، كما جاء في المصادر الإسلامية أن في التفكير الإيجابي ما يوجه المؤمن إلى أن يجعل عقله منصرفا إلى البناء لا الهدم، وإلى التعاون لا التخاذل، حيث قال تعالى " وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان " وقال الماوردي ندب الله تعالى إلى التعاون به أي بالبر، وقرنه بالتقوى لأن فى التقوى رضا الله تعالى، وفى البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته.
وأنشدني أبو الحسن الهاشمي "الناس كلهم عيال، الله تحت ظلاله، فأحبهم طرا إليه أبرهم لعياله " ويضرب الله تعالى الأمثال ليوقظ العقول، ويلفت الأنظار إلى ما أراده من عباده، فيلتزموا أمره، ويجتنبوا نهيه، ويهتدوا بهديه في مسيرتهم، ومن أعظم هذه الأمثال ما جاء ليميّز بين النافع وغير النافع، وبين من يحمل في نفسه قدرة على الخير والعمل، ومن لا يحمل إلا العجز والإتكال، وقال تعالى في سورة النحل " وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر علي شيء وهو علي كل على مولاه أينما يوجهه لا ياتي بخير هل يستوي هو ومن يؤمر بالعدل وهو علي صراط مستقيم " فهذا مثل بليغ يبين الفارق الهائل بين الإنسان الذي عُطلت قواه، فلا ينتفع بعقله ولا بلسانه، يعيش عالة على غيره، لا يرجى منه خير ولا يُنتظر منه نفع وبين إنسان آخر يفيض عدلا.
ويهدي إلى الصراط المستقيم قولا وعملا، فهو مصدر صلاح لنفسه ولغيره، ويقول الإمام الرازي يتبين لنا أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات، الصفة الأولى الأبكم، وهو العيي المقحم الذي لا يحسن الكلام، أو الذي لا يعقل، أو المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر، والصفة الثانية لا يقدر على شيء، وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل، والصفة الثالثة كلّ على مولاه، أي هذا الأبكم العاجز كلّ على مولاه، والصفة الرابعة أينما يوجهه لا يأت بخير، أي أينما يرسله لا يأتي بخير، لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم، ثم قال تعالى هل يستوي هو أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع ومن يأمر بالعدل، والآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفا بالنطق وإلا لم يكن آمرا، وأن يكون قادرا، وأن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجور، فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل.
يتضمن وصفه بكونه قادرا عالما، وكونه آمرا يناقض كون الأول أبكم، وكونه قادرا يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كلّ على مولاه، وكونه عالما يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
إضافة تعليق جديد