

صدر عن دار الجنوب. يسافر بنا هذا الكتاب إلى مرحلة الثلاثينات ليقدم تجربة مؤسسة للإبداع التونسي وقد انتهيت فيه إلى نظرة أخرى إلى هامشيّة جماعة تحت السور هي غير النظرة الشائعة في عدد من الأبحاث والدراسات توازن بين التجربة الفرديّة لكلّ فرد من أفرادها والملامح المشتركة بينهم.
نتحدث عن جيل كان الإبداع بالنسبة إليه محاولة لتأصيل الكيان غايته الحفاظ على مقومات الهوية التونسيّة وحمايتها من سياسة التهميش التي مارسها الاستعمار. وقد كرّست هذه الجماعة مختلف الأفكار من خلال أعمالها الأدبيّة التي أسهمت في تزويد الأدب التونسي بروح أصيلة متجددة، فعلى يد هؤلاء المبدعين تعمقت مفاهيم الفنّ في شتى صوره وأشكاله بعد أن تنامت عملية الخلق والإنتاج في سائر الفنون، هذا ما أسهم في النهضة الفكرية خلال ثلاثينات القرن العشرين في ظلّ التأسيس لممارسة أدبيّة تنفتح على مختلف الأجناس وتستوعب جميع الألوان الفنيّة فكانت البداية الحقيقيّة للمسرح التونسي والأغنية والقصة. وخلق هذا الجيل مجدا متكامل الصفحات وَسَمَ الثقافة التونسية بروح خلاقة ترنو إلى التحرر الفكري وكانت هذه التجربة صفحة من صفحات الأدب التونسي الناصعة.
فهامشيّة هذه الجماعة عبرت عن رؤية أدبيّة خلاقة سعى في ضوئها أفراد هذه الجماعة إلى رفض البنى المركزية ونقضها وزعزعة السائد في مقابل التأسيس لممارسة أدبيّة مختلفة تعيد الاعتبار إلى المهمش والأقلي في نظر المركز، فقد كانت هامشيتها أسلوب حياة وتوجه فكري وكان الإبداع صدى لهذه الرؤية الفنية.
وإنّ العودة إلى مختلف الأعمال التي نشرها أفراد هذه الجماعة على صفحات الجرائد والنشريات الصادرة خلال الثلاثينات من القرن العشرين من مقالات صحفية وأزجال ورسوم كاريكاتوريّة وقصص ومسرحيات يؤكد انخراطهم في سياق الدعوة إلى التحرر الفكريّ وذلك عبر التأسيس لممارسة أدبيّة تقوم على البحث عن أشكال فنيّة قادرة على التعبير عن المهمشين. فقد ثار هؤلاء المبدعون على الأوضاع السائدة ورفضوها وبمشيئة الرفض أسسوا سبيلا جديدا سلكوه في الحياة والإبداع.
فميزة هذه الجماعة تكمن في قدرتها على تجاوز الأزمة وتحويلها إلى أعمال إبداعيّة حملت رؤية جديدة واصطبغت بأفكار مختلفة لم يكن للمتلقّي سابق عهد بها، فقد أحدثت ثورة فكريّة يمكن اعتبارها نواة الثقافة التونسيّة الحديثة والمختلفة، ذلك أنّها انطوت على عناصر تجديد تتماشى مع شذوذها الأدبيّ والفنّي، ممّا خلق ردّة فعل عنيفة أدّت إلى تهميش دورها في خلق ديناميكيّة في المشهد الثّقافيّ، وهو ما شكّل عامل إحباط لأفراد هذه الجماعة انضاف إلى إحباطات الواقع المؤلم الذّي كان يحيط بهم.
إبتسام وسلاتي
إضافة تعليق جديد