
بقلم/نشأت البسيوني
في لحظة عابرة قد يظن البعض ان الخبر مجرد سطور تمر في شريط الاحداث لكن الحقيقة ان وراء كل واقعة وجوها لا تنسى وقلوبا تخفق بالخوف وعيونا تراقب المجهول وتنتظر الطمأنينة فالاحداث الكبرى لا تعيش وحدها في العناوين بل تسكن البيوت وتدخل البيوت دون استئذان وتترك اثرها في النفوس قبل ان تترك صورتها في الكاميرات هذا المقال لا يسعى لاعادة ما قيل ولا لتكرار
ما كتب بل يحاول ان ينظر من زاوية الانسان الذي وجد نفسه فجأة امام واقع لم يخطط له ولم يستعد لاستقباله انسان خرج من بيته ظانا ان اليوم سيمر عاديا فاذا به يقف شاهدا على مشهد يختلط فيه القلق بالذهول وتتحول الدقائق الى اسئلة كبيرة عن الامان والمسؤولية والمصير الوقائع حين تقع لا تختار زمانها ولا مكانها لكنها تختبر الجميع تختبر من كان في قلب الحدث وتختبر من
وصل بعده وتختبر حتى من اكتفى بالمشاهدة من بعيد فكل شخص كان له دور ولو بالصمت ولو بالدعاء ولو بنقل الصورة كما رآها لا كما ارادها في مثل هذه اللحظات يظهر معدن البشر بوضوح يظهر من يمد يده قبل ان يسأل ويظهر من يرفع صوته بالحق دون مزايدة ويظهر من يختار الرحمة طريقا لا التشهير ومن يضع الانسان قبل السبق ومن يعي ان الكلمة قد تكون انقاذا وقد تكون
جرحا لا يلتئم الحدث في جوهره لم يكن مجرد واقعة عابرة بل رسالة صامتة تقول ان التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق وان الاهم من سرد ما جرى هو فهم لماذا جرى وكيف نتجنب تكراره وكيف نحول الالم الى وعي والخوف الى حذر والتجربة القاسية الى درس يحمي غيرنا وراء المشهد اصوات لم تسمع جيدا اصوات اناس عاديين وجدوا انفسهم في قلب قصة اكبر منهم اصوات عمال
وسائقين ومارة واهالي منطقة شعروا ان الخطر اقترب منهم للحظة ثم مر لكنه ترك ظلاله خلفه هذه الاصوات تستحق ان تحكى لا بحثا عن تعاطف بل احتراما للحقيقة كما ان المسؤولية هنا لا تتوقف عند جهة بعينها بل هي شبكة متصلة تبدأ من التخطيط ولا تنتهي عند المتابعة مرورها بالرقابة والضمير والالتزام فحين يختل جزء واحد يدفع الثمن الجميع وتصبح الخسارة مشتركة حتى لو اختلفت
صورها وفي زمن السرعة يصبح من السهل ان ننسى بسرعة لكن الواجب ان نتذكر بالقدر الكافي لنتعلم فالنسيان السريع قد يمنح راحة مؤقتة لكنه لا يمنع تكرار الخطأ اما الوعي الهادئ فيصنع مستقبلا اكثر امانا وانسانية ولا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن السياق العام الذي نعيشه سياق تتزاحم فيه الاحداث وتتسارع فيه الوقائع حتى كادت القدرة على التوقف والتفكير تضيع لكن مثل
هذه اللحظات تفرض نفسها بقوة وتجبر الجميع على اعادة النظر في اولوياتهم وفي معنى الامان اليومي الذي اعتدنا اعتباره امرا مسلما به فالامان ليس كلمة تقال ولا شعارا يرفع بل منظومة متكاملة تبدأ من احساس الانسان بقيمته وحقه في السلامة وتمر عبر اجراءات واضحة وتنتهي بثقافة عامة تحترم الحياة وتضعها فوق اي اعتبار اخر وحين يختل هذا الميزان ولو لوهلة تظهر النتائج
قاسية وصادمة وما بين الصدمة الاولى وعودة الحياة تدريجيا يقف الناس امام اختبار الذاكرة هل سنعتبر ما حدث صفحة وطويت ام تجربة يجب ان تبقى حاضرة لتمنع التكرار هنا تتحدد الفروق بين مجتمع يتعلم من جراحه ومجتمع يكرر اخطاءه وهو يظن انه تجاوزها ان الحديث عن الواقعة لا يكتمل دون الاعتراف بدور الوعي المجتمعي الذي لا يقل اهمية عن اي اجراء رسمي
فحين يعرف الناس حقوقهم وواجباتهم وحين يدرك كل فرد ان سلامته مرتبطة بسلامة غيره يصبح التعامل مع الازمات اكثر نضجا واقل فوضى كما ان الاعلام في مثل هذه اللحظات يتحمل مسؤولية مضاعفة مسؤولية نقل الحقيقة دون تهويل ومسؤولية احترام مشاعر المتضررين وعدم تحويل الالم الانساني الى مادة للجدل او التربح فالخبر قد ينتهي في دقيقة لكن اثره في النفوس
قد يستمر سنوات ومن زاوية اخرى فان مثل هذه الوقائع تكشف الحاجة الدائمة للمراجعة والتقييم لا بهدف البحث عن مذنب فقط بل بهدف اصلاح الخلل وتعزيز نقاط القوة فالمجتمعات الحية هي التي تملك شجاعة الاعتراف والنقد والمحاسبة دون ان تفقد تماسكها او انسانيتها ومع كل ذلك يبقى الانسان هو المحور يبقى السؤال الاهم كيف يشعر من كان في قلب الحدث كيف نام ليلته
التالية كيف سيواجه الطريق نفسه في اليوم التالي هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تعطي للوقائع معناها الحقيقي وهي التي يجب ان تكون البوصلة في اي حديث او قرار وهكذا لا يعود ما جرى مجرد ذكرى ثقيلة بل يتحول الى محطة وعي يتوقف عندها الجميع لالتقاط الانفاس ومراجعة المسار والتأكيد من جديد ان حياة الناس ليست هامشا وان الوقاية ليست رفاهية وان التعلم من
الالم هو الطريق الوحيد لتقليل كلفته في المستقبل يبقى الرهان الاكبر على الوعي الجماعي الذي يحول الصدمة الى فهم والخوف الى مسؤولية والتجربة القاسية الى خطوة للامام فبهذا الوعي فقط يصبح لما حدث معنى يتجاوز اللحظة ويصنع فارقا حقيقيا في الواقع القادم
إضافة تعليق جديد