

بقلم : على امبابى
يستخدم الكوبري للعبور بين مكانين بينهما عائق، وطرق وكباري مصر الحديثة ظاهرة عالمية، ليس فقط في توقيت وزمن تنفيذها ومواقعها، ولكن كظاهرة فرضت وجودها في وقت حرج جدا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. ناهيك عن مقاومة العديدين لبدايات وجودها، لازالة حدائق وشوارع ومباني واعتبارها تشويه للزمن الجميل .
فملف "طريق مصر الجديد" خلفه رؤية واستراتيجية بانورامية، تُعدها لمشروع كبير في السنوات القادمة. وبالفعل بدأت ثمار هذا الطريق تظهر تدريجيا ويتعود الناس وجودها واستخدامها والملفت للإنتباه أن المجتمع المصرى يحتاج حزمة طرق وكباري تربط وتعبر بأمان بين التراث والمعاصرة والحديث، بين الذوق والقيم والفكر والسلوك، بين العادات والتقاليد والتجديد، بين النص والتفسير والاجتهاد وحرية التفكير، بين الضرائب والرسوم والكسب وتيسير العمل.
اعتقد ان هناك فجوات وثغور وجبال وعشوائيات، تحتاج جسورا لربط الفهم والمفاهيم"، ولكن الكوبري الوحيد الناجح حتي الان هو "الفيسبوك" ، المعبر اللحظي وليس اليومي، الذي ينقل وينتقل عليه ـ كونيا وليس فقط مصريا ـ مليارات الافكار والعقائد والسموم والمشروعات ..الخ. ولا تقل لي ان الحل ان تشتري مصر الفيسبوك او تخترع بديله للعقول المصرية مثلا.
فعلا الفيسبوك هو اكبر مشروع لجسر فكري ومعنوي في تاريخ البشر ، ولكن خلفه رؤية واستراتيجية تطوير مستمرة وصلت به لسيطرته الحالية رغم وجود تطبيقات ومنصات منافسة، ولكن عظمة الفيسبوك في تحويله الفضاء السيبراني لوطن كوني لمستخدميه، فلا يشعرون بغربة او اختلاف، فلكل مواطن فيسبوكي طرف كوبري ثابت لديه، والطرف الاخر حر تماما يرسيه اينما اراد كونيا. استوعب الفيسبوك العقل والنفس البشرية، واشتغل على غرائز حب الظهور والسيطرة، الجنس، التجمع، الاستطلاع، والعدوانية، فبنى جسوره العقلية لربط الوعي الجمعي العالمي على ارضيات الغرائز، ونجح فعلا في خلق قضية عالمية اسمها حرية التواصل والظهور الاجتماعي.
ما احلم به هو تأسيس شبكة طرق وكباري تربط بين جزائر العقول والاراء المصرية، التي يسميها البعض تجديد الخطاب الديني، او حتمية العلمانية او حل مشكل الاخوان او بتغليب الاقتصاد وانقاذ المهمشين واستعادة الطبقي الوسطى المهروسة.
ولكنها جزرا منفصلة، اراضي وعرة، مستنقعات قديمة، وكل جسورها مصدرها اهلها وليس رؤية وطنية ، جسور الناس مرجعها نظرتهم ومصالحهم وحصتهم من الارض، وسؤالي هل لدينا احداثيات الجزر المنعزلة للعقل المصري، لدرجة الربط بينها وتقريب مناطقها، ام لعله يفضل بقائها كما هي؟.
فكرتي تحتاج رؤية وقرار جريء بانقاذ العقل المصري. وكما كان هناك مخططات للطريق الجديد، فحتما يوجد للعقل الجديد، المشكلة الجزر المنعزلة بين الثقافة والاعلام والتعليم والمؤسسة الدينية، رغم ان منتفعهم واحدا هو العقل المصري. منذ خروج الانجليز من مصر، انتهت اخر قضية حقيقية للمصريين، اما التنمية والاقتصاد والتعليم والدين، فمشاكل اصطُنعت قضيتها للخمة العقل المصري. نحن نحتاج مشروعا فكريا قوميا لانعاش عقل المصريين ،تتطور فيه الثقافة والاعلام والسوشيال ميديا لمواجهة سعار فكري يقضمنا يوميا.
إثمار جزيرة الثقافة لا يقابله إنارة جزيرة الاعلام! وعتمة جزيرة التعليم، لا يوزنها وسطية جزيرة الدين، يلهث العقل المصري ويضيع ويتشتت بين جزره المنعزلة، وهذا وقت مشروع جسور العقل المصري للبزوغ.
إضافة تعليق جديد