رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الاثنين 30 مارس 2026 2:19 م توقيت القاهرة

مَن ضل سعيه في الحياة الدنيا

 
بقلم / محمـــد الدكــــروري
جاء عن الإمام ابن رجب رحمه الله أنه قال عن يوم عاشوراء " وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه، فهو من عمل مَن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ولم يأمر الله تعالى ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم؟ فإننا لا ننازع في فضل الحسين رضي الله عنه ومناقبه، فهو من علماء الصحابة ومن سادات المسلمين في الدنيا والآخرة، الذين عرفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء، وهو ابن بنت قدوتنا وحبيبنا أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، والتي هي أفضل بناته، وما وقع من قتله فأمر منكر شنيع يحزن كل مسلم، وقد انتقم الله عز وجل من قتلته، فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة، ولا ننازع في محبته ومحبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشهد الله على حبهم وموالاتهم، بل ونصلي عليهم في صلواتنا.

كيف لا وقد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟ لكن الذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين رضى الله عنه وأمثالها هو الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى يختار لعبده ما هو خير، ثم احتساب أجرها عند الله تعالى، وليس اتخاذ المآتم من هدي دين الإسلام، بل هو أشبه بفعل أهل الجاهلية، والملاحظ أن مآتم مجوس هذه الأمة في عاشوراء لم ترتبط بأصل إسلامي من قريب أو بعيد، إذ لا علاقة لها بنجاة نبى الله موسى عليه السلام، ولا بصيام النبي صلى الله عليه وسلم، بل الواقع أنهم حولوا المناسبة إلى اتجاه آخر، وهذا من جنس تبديل دين الله عز وجل، ويقول الله عز وجل فى سورة يونس " وإن فرعون لعال فى الأرض وإنه لمن المسرفين" فكان ملك من الملوك، ولكنه طاغية عصى الله تعالى، وادعى الألوهية، وكان حاكما لمصر، فادعى أنه إله لهم، لذلك سطر الله ذلك في القرآن، فقال "وإن فرعون لعال فى الأرض" 

أى علو وكبر وغطرسة وجحود، وقال لأهل مصر بعدما استخفهم وظلمهم، وجار عليهم، وذبح ذكورهم، واستحيا نساءهم " ما علمت لكم من إلة غيرى" أي لا أعرف إلها ولا ربا ولا خالقا، ولا موجدا لكم يا أهل مصر إلا أنا، فهكذا كان عال في الأرض، وقال الله تعالى " وإنه لمن المسرفين" أى أنه أسرف وطغى وبغى وتجبر، وتعدى الحدود، فبعث الله إليه موسى عليه الصلاة والسلام، وبعثه إلى أهل مصر، فدعاهم إلى عبادة الله وتوحيده، وأن الذي يستحق العبادة هو الذي يكور الليل على النهار، ويجعل الشمس تخرج من المشرق، وتغيب من المغرب، الذي يقول للشيء كن فيكون، واعلموا يرحمكم الله إن الوفاء بالعهد من علامات الصادقين المتقين، ومن صفات الأنبياء، وهو خُلق ملازم لأهل الجنة في حياتهم الدنيا إذ كيف يطمع في الجنة وصحبة الأنبياء والصادقين والمتقين مَن لم يتخلق بهذا الخلق؟ 

فليت المسلمين اليوم يتخلقون بهذا كي يفوزوا بخير الدنيا والآخرة، فإن الوفاء هو صدق اللسان والفعل معا، فأنت تطلب الثواب على المعروف من الله لا من البشر، ممتثلا قول الله تعالي " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" وأما عن مشروعية صوم عاشوراء، فقد مرّ فرض الصوم بثلاث مراحل، فكانت المرحلة الأولى هى صوم ثلاثة أيام ويوم عاشوراء، والمرحلة الثانية، هى كان الصوم بالخيار، فمن شاء صام رمضان، ومن شاء أفطر، وإن كان صحيحا مقيما وأطعم عن كل يوم مسكينا، وقد قال الله تعالى " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" وكانت المرحلة الثالثة فرض صوم رمضان، وذلك بقول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" فانتقل الفرض من صيام عاشوراء إلى صيام رمضان، وقال ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم.

"لما فُرض رمضان ترك عاشوراء" وقال ابن حجر رحمه الله "ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه" وقد كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يُعنى بصوم عاشوراء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" رواه مسلم، وأما عن صوم تاسوعاء، فإنه من الأكمل أن يصوم الإنسان التاسع والعاشر من المحرم، وصيام عاشوراء كان معروفا في الجاهلية قبل البعثة النبوية، فقد ثبت عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت "إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه" وقال ابن حجر رحمه الله "قال القرطبي لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه. 

واحتمل ذلك أن يكون ذلك استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك" ولكن ماذا لو وافق عاشوراء يوم السبت؟ فقال صلى الله عليه وسلم " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبه، أو عود شجرة فليمضغه" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، ومن العلماء من حكم على الحديث بالاضطراب، وعلى القول بصحته فإنه يجب علينا أن نوفق بين الأحاديث عند التعارض بدلا من الترجيح الذي ينبغي ألا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، فالجمع بين النصوص وإعمالها أولى من الترجيح وتعطيل بعضها كما هو مقرر عند علمائنا، فعلى القول بصحة حديث النهي عن صوم السبت، فإنه يتوجه إلى من صام السبت لكونه سبتا، أما من صامه لكونه عرفة أو لكونه عاشوراء فلا حرج عليه، فإننا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صام التسع من ذي الحجة وفيها السبت، وندب إلى صوم داود عليه السلام ولابد أن يصادف سبتا، وندب إلى صوم الأيام البيض ولابد أن تمر على أسبُت كثيرة، ولا بأس من إفراد الجمعة بالصوم كذلك لكونه عرفة أو لكونه عاشوراء.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.