
أيها المؤمنون كنا بالأمس القريب في رحاب شهر طيب مبارك ألا وهو شهر رمضان، وإن كان شهر رمضان قد إنقضى فإن عمل المؤمن لا ينقضي إلا بالموت، فقد قال الله سبحانه وتعالى " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" يعني الموت، وقال عن نبي الله عيسى عليه السلام " وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا" وبئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، حتى كأنما يعبدون رمضان، لا رب رمضان، والله تعالى لا يرضى من عبده أن يكون ربانيا في رمضان يسجد ويركع، ويبتهل ويتضرع، ويخضع ويخشع، ويبذل ويتبرع، فإذا إنقضى رمضان إنقلب من رباني إلى حيواني أو شيطاني، فإن من الناس من يجتهدون فيه بأنواع الطاعات، فإذا إنقضى رمضان هجروا القرآن، وتكاسلوا عن الطاعة، وتركوا الصلاة مع الجماعة، وودعوا الصيام والقيام، وأقبلوا على المعاصي والآثام، فهدموا ما بنوا، ونقضوا ما أبرموا.
واستدبروا الطاعات بالمعاصي، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير، وبدلوا نعمة الله كفرا، وصاروا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وتلك والله هي النكسة المردية والخسارة الفادحة، ولذلك كان بعض السلف يقولون كن ربانيا ولا تكن رمضانيا، فبعد أيام من رحيل شهر رمضان المبارك كيف حالكم بعد رمضان ؟ فلنقارن بين حالنا في رمضان وحالنا بعد رمضان، فكنا في أيام رمضان فى صلاة، وقيام وتلاوة وصيام وذ كر ودعاء وصدقه وإحسان وصلة أرحام، فذقنا حلاوة الإيمان وعرفنا حقيقه الصيام وذقنا لذه الدمعه وحلاوة المناجاة في الأسحار، فكنا نصلي صلاة من جُعلت قرة عينه في الصلاة وكنا نصوم صيام من ذاق حلاوته وعرف طعمه وكنا ننفق نفقه من لا يخشى الفقر وكنا وكنا مما كنا نفعله في هذا الشهر المبارك الذي رحل عنا وهكذا، كنا نتقلب في أعمال الخير وأبوابه.
حتى قال قائلنا ياليتني متّ على هذا الحال، ياليت خاتمتي كانت في رمضان، ولكن رحل رمضان ولم يمضى على رحيله إلا أيام ولربما عاد تارك الصلاة لتركه، وآكل الربا لأكله ومشاهد الفحش لفحشه وشارب الدخان لشربه، فنحن لا نقول أن نكون كما كنا في رمضان من الأجتهاد، ولكن نقول لا للإنقطاع عن الأعمال الصالحة، فلنحيا على الصيام والقيام والصدقة ولو القليل، ولكن يجب علينا أن نقول ماذا أستفدنا من رمضان ؟ فها نحن ودعنا رمضان المبارك ونهاره الجميل ولياليه العطره، وها نحن ودعنا شهر القرآن والتقوى، وشهر الصبر والجهاد والرحمة والمغفرة والعتق من النار، فماذا جنينا من ثماره اليانعة وظلاله الوارقه ؟ فهل تحققنا بالتقوى وتخرجنا من مدرسه رمضان بشهادة المتقين ؟ وهل تعلمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة وعن المعصية ؟ وهل ربينا فيه أنفسنا على الجهاد بأنواعه ؟
وهل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها ؟ وهل غلبتنا العادات والتقاليد السيئة ؟ وهل وهل وهل؟ فهى أسئلة كثيرة وخواطر عديدة تتداعى على قلب كل مسلم صادق، يسأل نفسه ويجيبها بصدق وصراحة، ماذا استفدت من رمضان ؟ فإن شهر رمضان هو مدرسة إيمانية، ومحطة روحيه للتزود منه لبقية العام، ولشحذ الهمم بقيه الغمر، فمتى يتعظ ويعتبر ويستفيد ويتغير ويغير من حياته من لم يفعل ذلك فى رمضان ؟ فإنه بحق مدرسة للتغيير، نغير فيه من أعمالنا وسلوكنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله عز وجل، حيث يقول تعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وإياكم ثم إياكم من نقض الغزل بعد غزله، وإياكم والرجوع الى المعاصي، والرجوع إلي الفسق والمجون وترك الطاعات والأعمال الصالحة بعد رمضان، فبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان.
فقد أمرنا الله عز وجل بالمداومه على العباده والطاعه فقال " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" وهكذا يجب أن يكون العبد مستمر على طاعة الله، ثابت على شرعه ومستقيم على دينه، لا يراوغ روغان الثعالب فيعبد الله في شهر دون شهر أو في مكان دون آخر، لا وألف لا، بل يعلم أن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام، فقال تعالى فى سورة هود" فاستقم كما أمرت ومن تاب معك"
إضافة تعليق جديد