رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الأحد 8 فبراير 2026 1:47 م توقيت القاهرة

ليلة الحضارة الكبرى... مصر تفتح بوابة الأبدية

بقلم د/سماح عزازي
حين تنهض الحضارة من تحت الرمال
في فجرٍ مهيبٍ لا يشبه سوى بدايات الخلق، تهبُّ على القاهرة نسمةٌ ليست ككل نسيم، نسمةٌ تأتي من أعماق الزمن، تحمل في طيّاتها عبير الأبدية وصوت الملوك العائدين من صمت القرون. هناك، عند مشارف الهضبة التي تعانق السماء، تبدأ الأرض المصرية في التنفّس مجددًا، كأنها تستيقظ من سبات التاريخ لتعلن ميلادًا جديدًا للحضارة.
إنها مصر، العجوز التي لا تشيخ، والولّادة التي لا تجفّ أنوثتها مهما مرّ الزمان.
مصر التي ما تزال كل ذرة من ترابها تعرف شكل الخط الأول، وصدى النقش الأول، ورهبة المعبد الأول.
واليوم، وهي تستعد لافتتاح المتحف المصري الكبير، لا تفتح بابًا من أبواب المعمار، بل تفتح بوابة الخلود، لتدعونا جميعًا إلى مأدبة التاريخ الكبرى، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في لحظة دهشة لا تتكرر إلا في أرض المعجزات.
من قلب الصحراء التي كانت يومًا مملكة الأسرار، يرتفع البناء المهيب كأنه نداء من الفراعنة إلى أحفادهم:
> "ها نحن لم نغب، بل كنّا ننتظر هذه اللحظة، حين يعود المجد إلينا بثوبٍ من الزجاج والنور."
كل حجر في هذا الصرح العظيم ينبض بالحياة، وكل زاوية فيه تهمس بأن الحضارة المصرية ليست فصلًا من كتاب مضى، بل رواية مستمرة يكتبها الزمن بمداد الشمس.
إنها لحظة تتوقف فيها عقارب الساعات، لتصغي الأرض إلى أنفاس الأهرامات، وتشهد البشرية ولادةً ثانية لروح مصر التي علّمت العالم كيف يُحاور الإنسان الخلود.
على ضفاف التاريخ، حيث تلتقي رائحة الرمال القديمة بوهج الضوء الحديث، تستعد مصر لتكتب فصلًا جديدًا في روايتها الأبدية... حفل افتتاح المتحف المصري الكبير، الحدث الذي يتأهّب له العالم أجمع، لا بوصفه فعلاً ثقافيًا فحسب، بل ميلادًا جديدًا لحضارةٍ لا تعرف الموت.
في تلك الليلة الموعودة، يوم السبت القادم الموافق الاول من نوفمبر ستتجه أنظار الأرض نحو الجيزة، حيث تتكئ الأهرامات على كتف الزمن، وتتهيأ لتشهد مولد معبدٍ من معابد الجمال والمعرفة، يليق باسمها وتاريخها ومكانتها بين الأمم.
هنا، في قلب الصحراء التي احتضنت أسرار الملوك والكهنة والآلهة، تنهض أعظم متاحف العالم بثوبها الذهبي من الزجاج والحجر والضوء، لتعلن أن مصر القديمة لم تبرح مكانها، بل عادت إلينا أكثر شبابًا وبهاءً.
تحضيرات بحجم الحلم
منذ شهور طويلة، تعيش مصر على إيقاع الاستعداد لهذا اليوم الاستثنائي. فرق هندسية وفنية وثقافية تعمل كخلية نحل لا تهدأ، لتجعل من الافتتاح أعظم احتفال ثقافي في القرن الحادي والعشرين.
تمّ اختبار الإضاءة بعناية لتلامس أهرامات الجيزة كأنها تهمس لها من جديد، وتمت تجربة أنظمة الصوت والموسيقى التي تمزج بين النغم المصري القديم وإبداع المؤلفين المعاصرين، لتخلق سيمفونية تصحب الزائر في رحلة عبر الزمن من فجر الحضارة حتى حاضر الدولة الحديثة.
أما المشهد العام للحفل، فيتجاوز كل التوقعات؛ فالعرض سيكون مزيجًا من الفن والضوء والتاريخ.
لوحات راقصة تعبّر عن أسطورة الخلق في المعتقد المصري القديم، عروض ثلاثية الأبعاد تستحضر لحظة بناء الأهرامات، موسيقى تتعانق فيها ناي المعابد مع أوركسترا القرن الحادي والعشرين، وشاشات ضخمة تروي للعالم كيف صنعت مصر حضارة كانت وما زالت أعظم درس في الخلود.
المتحف... منارة بين الماضي والمستقبل
يأتي حفل الافتتاح تتويجًا لمشروع وُلد من رحم الإصرار، بدأ حلمًا عام 2002، واستغرق عقدين من الجهد والعزيمة حتى اكتمل على أجمل صورة.
يضم المتحف بين جنباته أكثر من مئة ألف قطعة أثرية من مختلف العصور، ويُعدّ موطنًا لأكبر عرض في التاريخ لمقتنيات الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، حيث تُعرض كنوزه كاملة لأول مرة منذ اكتشافها.
ولم يكن المتحف مجرد مبنى للعرض، بل مدينة علمية وثقافية متكاملة؛ يحتوي على معامل ترميم تُعدّ من الأحدث في العالم، ومركزًا بحثيًا، وقاعات عرض رقمية تفاعلية، ليصبح منصةً تربط بين عبقرية الماضي وتكنولوجيا الحاضر.
حتى تصميمه المعماري، المستوحى من الأهرامات، يشعّ بالفخامة والرمز؛ واجهة من الحجر الجيري والضوء، وسلالم فسيحة تصعد بالزائر نحو رحلة روحية في الزمان والمكان.
ليلة من نورٍ وأصالة
مع غروب شمس يوم الافتتاح، ستبدأ القاهرة في ارتداء ثوبٍ لم ترتده من قبل.
الإضاءات تمتد من طريق المطار إلى هضبة الأهرام، والسماء تمتلئ بالألوان والنور، كأنها تحتفل بولادة فجرٍ جديد.
تصدح الأوركسترا السيمفونية بأنغام مستوحاة من موسيقى المعابد القديمة، يتداخل فيها صوت الناي مع نبض الطبول، وكأنّ أرواح الكهنة والفنانين القدماء عادت لتُشارك أبناءها الاحتفال.
وسيتخلل الحفل عروضًا حية تعكس رحلة المصري عبر العصور: من الزراعة على ضفاف النيل إلى بناء الأهرامات، ومن التوحيد في عصر إخناتون إلى مجد الإمبراطورية الحديثة، وصولًا إلى مصر الحديثة التي تُقدّم نفسها للعالم كحاضنةٍ للتاريخ وراعيةٍ للمستقبل.
العالم يشهد... ومصر تتحدث بلغة الخلود
حضور عالمي رفيع المستوى، من ملوك ورؤساء وقادة فكر وثقافة، من الشرق والغرب، جاءوا ليشهدوا الحدث الأضخم في التاريخ الحديث.
وسائل الإعلام تبثّ الحدث على الهواء مباشرة إلى كل القارات، فيما يتابع الملايين بانبهار تلك اللحظة التي تمتزج فيها أعمدة الضوء الحديثة بوهج الشمس القديمة.
العالم يرى في المتحف المصري الكبير أكثر من صرحٍ أثري؛ إنه رمزٌ لقدرة الأمة المصرية على البقاء والإبداع، رغم كل ما مرّت به من أزمات وتحديات.
إنه إعلان من مصر بأن الحضارة لا تُورَّث فقط، بل تُصنع كل يومٍ من جديد، وأن التاريخ حين يمر من أرضها، لا يمر عبورًا، بل يستقرّ في قلبها للأبد.
مصر... حين تنطق باسم الأبدية
حين تنتهي الليلة، وتنطفئ الأضواء، وتغادر الوفود القاعة المهيبة، ستبقى مصر وحدها مشتعلة بالنور.
ستبقى أهراماتها تنظر إلى المتحف كأخٍ أصغر، حمل الأمانة نفسها بلغة الحاضر، وستظل تماثيل الملوك في بهوه العظيم شاهدة على أن الزمن تغيّر... لكن العظمة باقية.
في تلك اللحظة، لن يكون المتحف المصري الكبير مجرد افتتاح، بل إعلانًا عن انتصار الزمن المصري على الفناء.
وستدرك الشعوب أن هذا البلد الذي علّم الدنيا معنى الحضارة، ما زال قادرًا على أن يبهرها من جديد.
فمصر، التي علمت الإنسان الكتابة، وعلّمته أن يبني للخلود لا للفناء، تعود اليوم لتقول للعالم:
“ها أنا ذا... لم أكن أثرًا منسيًا، بل ذاكرة الكون حين أراد أن يخلّد الجمال في صورة وطن.”
حين تتكلّم مصر... يصمت الزمان
وحين تسدل الليلة أستارها، وتغفو الأضواء على كتف الهرم، ستبقى مصر وحدها ساهرةً في مجدها، تضيء بصمتها أكثر مما يفعل الكلام.
سيغادر الملوك والرؤساء، ويُطوى الحدث في نشرات الأخبار، لكن الدهشة ستبقى عالقة في عيون العالم، تروي للأجيال القادمة أن في تلك الليلة، على أرض الجيزة، تكلّم التاريخ بلغةٍ جديدةٍ من حجرٍ وضياء.
سيمرّ الزائرون من بوابة المتحف، فيرون الماضي يمشي بجانبهم لا خلفهم، يسمعون صدى النحت القديم يجاوب ضحكة الطفل المصري الحديث، ويدركون أن هذا المكان ليس متحفًا، بل قلب مصر النابض، وسِفرُها الذي لم يُغلق بعد.
في بهوه الكبير يقف رمسيس، لا تمثالًا من حجر، بل أبًا عائدًا من الخلود، ينظر بفخر إلى أحفاده الذين حفظوا الأمانة وأكملوا المسيرة، ويهمس لهم بأن الحضارة لا تُحفظ في المتاحف، بل في الإيمان بالذات والعشق للأرض.
وحين يتنفس الصباح الجديد فوق الأهرامات، سيعلم العالم أن مصر لم تكن مجرد مهدٍ للحضارة، بل رسولتها التي لم تتعب من تعليم الإنسان أن الجمال هو شكل من أشكال العبادة.
المتحف المصري الكبير ليس فقط حدثًا ثقافيًا، بل حكاية وطنٍ كتب تاريخه في وجه الشمس، وظلّ يكتبه كل يومٍ بنورٍ جديد.
وهكذا، تعود مصر لتقول للعالم — كما كانت منذ آلاف السنين —:
"أنا الأرض التي علّمتكم معنى الخلود، وما زلت أعلّمكم كيف يُصاغ المستقبل من أنفاس التاريخ."

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
9 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.