
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله إقرارا بوحدانيته، والشكر له على سوابغ نعمته، اختص بها أهل الصدق والإيمان بصدق معاملته، ومن على العاصي بقبول توبته، ومد للمسلم عملا صالحا بوصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المفضل على جميع بريته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ذكرت المصادر التربوية والتعليمية الكثير عن التطبيقات الفقهية للعناية بالبيئة ومن العناية والحفاظ بالبيئة يضرب المثل بالحفاظ علي البيئة من الإضرار بالصحة، حيث يجبر المرضى بالأمراض المعدية على إتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع إنتشار هذه الأمراض وإنتقالها إلى غيرهم وفي كشاف القناع أنه لا يجوز للجذماء مخالطة الأصحاء عموما، ولا مخالطة أحد معين صحيح إلا بإذنه.
وعلى ولاة الأمر منعهم من مخالطة الأصحاء بأن يسكنوا في مكان مفرد لهم، ونحو ذلك، وإذا امتنع ولي الأمر من ذلك أو المجذوم أثم، وإذا أصر على ترك الواجب فسق، وينسب فعل كل من المريض وولي الأمر إلى التعدين وهو ما يلائم فرض الضمان عليهما، لو مرض أحد بمخالفتهما الواجب عليهما شرعا، وهو يدل على أنه لا يشترط أن يكون الفعل الموجب للضرر ماديا، ولا يبعد وجوب الضمان طبقا لذلك على من إقتنى حيوانات مريضة بأمراض معدية إلى جوار مزارع لتنمية الحيوانات والطيور، إذا إنتقلت إليها الأمراض ذاتها، وثبت برأي الخبراء قيام ركن السببية، وكما أنه هناك مثال للحفاظ علي البيئة من خلال منع الروائح السيئة، وهو مذهب متأخري الأحناف المنع من إتخاذ ما يؤذي الجار برائحته، ويبدو أن المالكية والحنابلة هم الذين عنوا بالنص على ذلك.
فلا يجوز عندهم أن يحدث أحد مدبغة، أو يفتح بقرب جاره مرحاضا، ولا يغطيه، أو ما تؤذي رائحته لأن الرائحة المنتنة تحرق الخياشيم، وتصل إلى الأمعاء، فتؤذي الإنسان، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم " من أكل مِن هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مساجدنا، يؤذينا بريح الثوم" وكل رائحة تؤذي يمنع منها لهذا قال وبه العمل، والنص على المنع من إتخاذ ما له دخان كحمام وفرن ومطبخ، ورائحة كدباغ ومذبح ومسمط للضرر الحاصل من ذلك، وما أصاب صاحب السعال من ضرر وضيق نفس بإثارة دخان، فهو مضمون على من أثاره، وريح الطبيخ إذا كان يضر بامرأة حامل، وجب الإمتناع عن إعداد مثله، وإن علم إستضرارها بهذا الريح، وأضرها في نفسها أو حملها، فالإثم والضمان على الطابخ، ولم يعترف القانون الإنجليزي بهذا النوع من الإيذاء أو المضارة.
إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولم يتطلع مفكروه إلى العمل على المنع من الأضرار غير العينية، إلا في هذه الأثناء، ومن القضايا الرائدة في هذا الصدد قضية، هي قضية صاحب القهوة، حيث كان للمدعي قهوة في حديقة دير، وإعتاد المدعى عليه أن يترك خيوله بعربتها التي تجرها أمام هذه القهوة ورفع المدعي الأمر إلى القضاء مطالبا بتعويض عن الأضرار التي لحقت به من جراء إعتراض الخيول والعربة في الطريق على نحو يعوق المرور فيه، ويمنع الضوء عن القهوة ويصرف الرواد عنه للرائحة السيئة التي تنبعث من الفضلات التي تلقيها هذه الخيول، وقد رأت المحكمة التعويض عن هذه الأضرار، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
إضافة تعليق جديد