رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الثلاثاء 5 يوليو 2022 11:19 م توقيت القاهرة

الدكروري يكتب عن الزراعة وحياة البشرية " جزء 10"

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

وأما ما لا ثمر له من الشجر كالصفصاف والجوز ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود كالصنوبر والأرز فلا تجوز المساقاة عليه، وبه قال مالك والشافعي، قال ابن قدامة ولا نعلم فيه خلافا لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له، إلا أن يكون مما يقصد ورقه كالتوت والورد، فتجوز المساقاة عليه لأنه في معنى الثمر لأنه نماء يتكرر كل عام، ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه، فيثبت له مثل حكمه، وإن ساقاه على ثمرة موجودة، فجائز، وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور وأحد قولي الشافعي لأنها إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فيها فمع وجودها وقلة الغرر فيها أولى، وإنما تصح إذا بقي من العمل ما يستزاد به الثمرة كالتأبير والسقي وإصلاح الثمرة، فإن بقي ما لا تزيد به الثمرة كالجزاز ونحوه لم تجز المساقاة، وإنما تجوز الأجرة مقابل الحصاد. 

 

والمساقاة لا تصح إلا على جزء معلوم من الثمرة مشاع كالنصف والثلث لحديث ابن عمر رضي الله عنهما "عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها" وسواء قل الجزء أو كثر، وإذا كان البستان شجرا من أجناس كالتين والزيتون والبرتقال والرمان فشرط للعامل من كل جنس قدرا كنصف ثمر التين، وثلث الزيتون، وربع البرتقال، وخُمس الرمان، أو كان فيه أنواع من جنس، فشرط من كل نوع قدرا، وهما يعلمان قدر كل نوع صح لأن ذلك كأربعة بساتين، ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر، وإن لم يعلما قدره أو لم يعلم أحدهما لم يجز لأنه قد يكون أكثر ما في البستان من النوع الذي شرط فيه القليل، أو أكثره مما شرط فيه الكثير، ولو قال ساقيتك على هذين البستانين بالنصف من هذا، والثلث من هذا، صح لأنها صفقة واحدة جمعت عوضين، فصار كأنه قال بعتك داريّ هاتين هذه بألف، وهذه بمائة. 

 

وإن قال بالنصف من أحدهما، والثلث من الآخر، لم يصح لأنه مجهول لا يدري أيهما الذي يستحق نصفه، ولا الذي يستحق ثلثه، ولو ساقاه على بستان واحد، نصفه هذا بالنصف، ونصفه هذا بالثلث، وهما متميزان، صح لأنهما كبستانين، ولو ساقاه ثلاث سنين على أن له في الأولى النصف، وفي الثانية الثلث، وفي الثالثة الربع جاز لأن قدر ماله في كل سنة معلوم، فصح، كما لو شرط له من كل نوع قدرا، ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها، كالبيع، فإن ساقاه على بستان بغير رؤية ولا صفة، لم يصح لأنه عقد على مجهول، فلم يصح، كالبيع، ولو دفع إلى رجل أرضا فقال ما زرعت فيه من حنطة فلي ربعه أو نصفه، صح، وإن قال ما نتج من هذا الجزء من الأرض فهو لي، وما نتج من هذا الجزء فهو لك لم يجزي، وأما عن إجارة الأرض، فقال ابن المنذر.

 

أجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء أي إجارة الأرض وقتا معلوما جائز بالذهب والفضة، وروينا هذا القول عن سعيد ورافع بن خديج وابن عمر وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة والقاسم وسالم وعبدالله بن الحارث ومالك والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولأنها عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، فجازت إجارتها بالأثمان ونحوها، كالدور، وأما إجارتها بطعام فتنقسم ثلاثة أقسام، فالقسم الأول وهو أن يؤجرها بمطعوم غير الخارج منها معلوم، فيجوز، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وأحمد، والقسم الثاني وهو إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها، كإجارتها بقفزان حنطة من المزروع فيها، قال بجواز ذلك أبو الخطاب وأبو حنيفة والشافعي لأن ما جازت إجارته بغير المطعوم جازت به، كالدور. 

 

وأما عن القسم الثالث وهو إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها، كنصف وثلث وربع، فلا تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنها إجارة بعوض مجهول، فلم تصح، كإجارتها بثلث ما يخرج من أرض أخرى، ولأنها إجارة لعين ببعض نمائها، فلم تجزي، كسائر الأعيان، وإن أجرها للزرع مطلقا، أو قال لتزرعها ما شئت، فإنه يصح، وله زرع ما شاء، وهذا مذهب الشافعي، وإن أجرها لزرع حنطة أو نوع بعينه، فإن له زرع ما يعيّنه، وما ضرره كضرره أو دونه، ولا يتعين ما عينه في قول عامة أهل العلم، وإذا استأجر أرضا للزراعة مدة، فانقضت وفيها زرع لم يبلغ حصاده، لم يخل من حالين، أحدهما أن يكون لتفريط من المستأجر، مثل أن يزرع زرعا لم تجري العادة بكماله قبل انقضاء المدة، فحكمه حكم زرع الغاصب، يخيّر المالك بعد المدة من أخذه بالقيمة، أو تركه بالأجر لما زاد على المدة لأنه أبقى زرعه في أرض غيره بعدوانه. 

 

وإن اختار المستأجر قطع زرعه في الحال وتفريغ الأرض، فله ذلك لأنه يزيل الضرر، ويسلم الأرض على الوجه الذي اقتضاه العقد، وعلى المستأجر نقل الزرع وتفريغ الأرض، وإن اتفقا على تركه بعوض أو غيره، جاز، وهذا مذهب الشافعي، والحال الثاني وهو أن يكون بقاؤه بغير تفريط، مثل أن يزرع زرعا ينتهي في المدة عادة، فأبطأ لبرد أو غيره، فإنه يلزم المؤجر تركه إلى أن ينتهي، وله المسمى وأجر المثل لما زاد، كما لو أعاره أرضا فزرعها ثم رجع المالك قبل كمال الزرع، وإذا اكترى الأرض لزرع مدة لا يكمل فيها، مثل أن يكتري خمسة أشهر لزرع لا يكمل إلا في سنة نظرنا، فإن شرط تفريغها عند انقضاء المدة ونقله عنها، صح لأنه لا يفضي إلى الزيادة على مدته، وقد يكون له غرض في ذلك لأخذه إياه قصيلا أو غيره. 

 

ويلزمه ما التزم، وإن أطلق العقد ولم يشترط شيئا، صح أيضا لأن الانتفاع بالزرع في هذه المدة ممكن، وإن أمكن أن ينتفع بالأرض في زرع ضرره كضرر الزرع المشروط أو دونه، مثل أن يزرعها شعيرا يأخذه قصيلا، صح العقد لأن الانتفاع بها في بعض ما اقتضاه العقد ممكن، وإن لم يكن كذلك لم يصح، وزكاة الزرع في حال تأجير الأرض تكون على المستأجر لأن المستأجر هو الحاصد للزرع، وهو المنتفع به.

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.