

كتب : يسرى أحمد عباس
يحكى أن كان هناك راعي للاغنام يقود قطيعه يومياً إلى المراعي الفسيحة وهو يعزف بمزماره الخشبي ثم يستلقي عند إنتصاف الظهيرة تحت أغصان شجرة وارفة الظلال ليستريح ..
وفي أحدى الأيام وبينما كان الراعي يستريح كعادته وإذا به يسمع صوت هسيس صادر من الأحراش القريبة فأنتابه الفضول فتتبع صوت الهسيس حتى قاده إلى ثعبان كبير وقد علق ذنبه بين حجرين وهو يفح ويتلوى محاولاً التحرر فلا يفلح .. فتقدم الراعي بهدوء وقد أشفق على الثعبان وحرك أحد الحجرين فتحرر الثعبان وزحف نحو الراعي ونظر إليه فجلس الراعي وأغمض عينيه وقال :
لا بأس إن كنت ستلدغني فهذة طبيعتك .. ولست نادما لأني حررتك فهذة طبيعتي .
ثم فتح الراعي عينيه فشاهد الثعبان يزحف بين الأعشاب مبتعداً حتى أختفى ..
في اليوم التالي وبينما كان الراعي يجلس تحت ظل شجرته المعهودة ويعزف بمزماره وإذا به يرى الثعبان ذاته يقترب منه وهو يتراقص مع أنغام المزمار .. فأستمر الراعي بعزفه إلى أن توقف الثعبان عن التمايل ، ثم وضع الثعبان قطعة ذهبية كان يخبئها في فمه أمام الراعي وأنصرف .. فرح الراعي كثيراً بذلك وأخذ القطعة وشارك الفرحة مع عائلته لدى عودته للبيت ..
وأستمر ظهور الثعبان الراقص تحت أنغام مزمار الراعي يومياً في نفس الوقت المحدد من النهار .. وفي كل مرة كان يضع قطعة ذهبية وينصرف فكان الراعي يأخذها ويحمد الله ويترك الثعبان لشأنه ..
وبعد شهر قرر الراعي الذهاب الى الحج ، بما جمعه من مال فأعطى المزمار الى ولده الشاب وأخبره بقصة الثعبان وأمره أن يعزف به في وقت الأستراحة حتى تستمر العائلة بالحصول على قطعة الذهب يومياً ..
سافر الراعي فقاد ولده القطيع مكانه وجلس مجلسه ، تحت ظل الشجرة وشرع بالعزف فشاهد الثعبان يأتي متمايلاً مع حركة المزمار تماماً كما أخبره والده .. ثم ترك الثعبان قطعته وغادر ..
وتكرر الحال في اليوم التالي .. لكن في اليوم الثالث سأم الفتى من إنتظار قطعة واحدة يومياً وقال في نفسه :
لابد أن هذا الثعبان يعيش قرب كنز كبير ..
قرر الفتى ملاحقة الثعبان إلى وكره .. فتتبعه بعد نهاية المعزوفة حتى رآه ينسل داخل جحر فهجم عليه وضربه بفأس كانت معه فقطع ذيله فألتفت إليه الثعبان ولدغه في رقبته فعاد الفتى إلى بيته بعد جهد جهيد حيث توفي هناك متأثرا بالسم ..
عاد الراعي الاًب من الحج وعلم بمصرع إبنه ملدوغا فإيقن أن ولده لابد وأنه قد أساء التصرف مع الثعبان ..
أستأنف الراعي عمله في رعي الاغنام .. وعند الظهيرة شرع بالعزف لكن الثعبان لم يحضر فأستمر الراعي بالعزف حتى شارفت الشمس على المغيب .. وأخيرا ظهر الثعبان مبتور الذنب لكنه لم يكن يتراقص بل وقف يطالع الراعي عن كثب فقال الراعي :
هيا يا صديقي لنستمر كما كنا ولننسى ما حصل .
وهنا نطق الثعبان قائلا :
أنت مخطئ أيها الراعي .. لا يمكن أبداً أن ننسى ما حصل .. فكلما نظرت أنا إليك تذكرت ذيلي المقطوع .. وكلما نظرت أنت إلي تذكرت ولدك المصروع .. فهذه الدنيا لا تبقى على حال واحدة .. والاوقات الجميلة لا تدوم إلى الأبد .. وداعا يا صديقي ..
قال الثعبان ذلك ثم اختفى إلى غير رجعة ..
إضافة تعليق جديد